صلاح المقداد*
من المُضحك المُبكي في تاريخ هذه الأمه وحالتها المرضية المُزمنة والمُستعصية على العلاج أن الغالبية العُظمى من الحمقى والسُذج المغفلين من أبنائها ، كانوا ولا زالوا في لهوٍ فاكهين عن ما يتهددها من أخطار عظيمة تُحدق بها من كل الجوانب وتترصدها على الدوام وتستهدف وجودها وبقائها كخير أمة أُخرجت للناس .
والأدهى والأنكى أن أولئك الذين أستغفلوا مراحل طويلة وأجيال مُتعاقبة لم يصحو من سُباتهم الطويل والعميق ولن يستفيقوا من غفلتهم المُزمنة هذه على مايبدو إلا بعد فوات الأوان ، وبعد خراب مالطا كما يقول العامة في المثل ، وإذا تمت الصحوة والإستفاقة المرجوة لمن غُيِبوا عن الوعي والحقائق وخلدوا للهجوع المذل فترة طويلة فإنها تأتي مُتأخرة ، وقد لا تأتي غالبًا إلا وقد وقع الفأس في الرأس ، وتم استهداف أولئك الغُفَل من قبل أعدائهم التاريخيين الذين يقفون لهم دومًا بالمرصاد ، ويُناصبون كل ما يمثلهم ويمت إليهم بصلة العداء ، وهُم لهم ألد الخصام ، ولا يمكن أن يتركوهم إلا وقد أجهزوا عليهم واحداً تلو الآخر .
وأمام مشروع استعماري شديد الخطورة كمشروع إقامة كيان "إسرائيل الكبرى" الذي يسعى الصهاينة ومعهم الغرب جاهدين إلى تحقيقه ، ويستهدفون به أمة العروبة والإسلام نجد هذه الأمة المُستغفلة المُخدرة والمُغيبة عن الوعي والحقيقة تتعامل مع مشروع خطير كهذا يستهدفها وجوداً وعقيدة وحضارة وقيمًا وتاريخًا بنوع من اللا مبالاة والعجز والضعف والإستهتار وكأن الأمر لا يعنيها ولا يهمها بالمرة ، وإن هذا لهو العجب العجاب ! .
وما من شك أن "مشروع "إسرائيل الكبرى" هذا الذي كثر الحديث عنه في الآونة الأخيرة بشكل لافت ومُكثف على لسان أكثر من مسؤول صهيوني وأمريكي وغربي وعلى أعلى المستويات ، بإعتباره إنفاذ لمشيئة الرب في الأرض كما يزعمون ، ولهذا يحرصون في كل خطوة من خطواتهم التي يخطوها لتنفيذ ذلك المشروع على إضفاء صبغة دينية وقدسية زائفة عليه .
ولا غرابة أن تجتمع وتتفق جميع الآراء التي يهم أصحابها ما تعنيه لهم هذه الأمة ويعتبرون مثل هذا المشروع الشيطاني الخبيث بأنه يعد من أخطر المشاريع الإستعمارية الهدامة التي تستهدف العالم العربي ومحيطه الإسلامي الواسع ، مُؤكدين أنه لن ينجو من هذا المشروع أحد ولن نجد دولة أو شعب من شعوب المنطقة البتة يكون بمنأى عنه وعن شره وخطره الداهم على الإطلاق ، وكلٍ سيُمس بضرره البالغ إن عاجلاً أو آجلا .
والأهم والأخطر إن هذا المشروع الإستعماري الخبيث الذي كثرت تصريحات بنيامين نتن ياهو رئيس حكومة الكيان الصهيوني اللقيط عنه ، ولم يتورع عن الإفصاح عن أهدافه وغاياته ، بل أنه لم يفوت فرصة ولم يترك مناسبة إلا وتحدث عنه بحماس وصراحة وإصرار وثقة ، وكان في كل مرة يشير إليه إن أتى على ذكره وكأنه حق من حقوق شعب الله المختار حسب زعمه .
وبالتزامن مع ذلك يجري الترويج لمشروع "إسرائيل الكبرى" منذ فترة بجدية وإصرار عجيبين ويكثر الحديث المتشعب بشأنه بإسهاب كترجمة حرفية لسلسلة أباطيل صهيونية وخرافات يهودية وتلمودية كاذبة ، وصولاً في النهايع إلى فرضه كواقع مُعاش على دول وشعوب المنطقة بما يحمله من تبعات خطيرة ونتائج كارثية في حال تحققه لا سمح الله .
ولو كنا أمة نعي ونعقل ونفقه لما فاتنا أن نتنبه على الأقل إن كل هذه الحروب والفتن والإضطرابات والقلاقل ، والعمل الممنهج خلال السنوات الماضية لإسقاط أنظمة عربية وخلع رؤساء عبر ما سمي بثورات الربيع العربي وما قبلها وما بعدها من أحداث عاصفة إلا تمهيد وجزء. لا يتجزأ من الخطط الخاصة التي أعتمدت من قبل إسرائيل والغرب للشروع في تنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى" التي ستمتد من الفرات إلى النيل وتقتطع أجزاء من دول عربية وإسلامية وتبتلع دولاً بأكملها لتضم لدولة إسرائيل الكبرى .
بيد أنه لا يختلف إثنان أن مشروع "إسرائيل الكبرى" في حقيقته لا يمكن أن يكون وليد لحظة تاريخية آنية أو صدفة عابرة ، بل إن هذا المشروع الإستعماري الشيطاني قديم جديد ، وقد أعتمد من أعدوه ورسموه في الغرب والدوائر الصهيونية العالمية خطط استراتيجية عديدة ومراحل زمنية معينة لتنفيذه وضمان إنجاحه على النحو الذي يُرضيهم ويضمن خدمة مصالحهم على المدى البعيد .
وفي التاريخ عادةً ما يبدأ المشروع الهدام بفكرة شيطانية جهنمية ، وغالبًا ما ينتهي لاحقًا بسكرة تلك السكرة القاتلة التي تتخللها سكتة عامة شاملة لكل قلوب وأدمغة العرب والمسلمين المستهدفين بمشروع خبيث كهذا ، وصولاً إلى اللحظة الحاسمة والحرجة التي سيتم فيها إخضاع الجميع عربًا ومسلمين لأصحاب ذلك المشروع بالقوة ، وهم في غفلةٍ عنه ويقفون عاجزين مشلولين عن مواجهته والوقوف بوجهه .
وحريَُ بالعرب والمسلمين كأمة ودول وشعوب مُغيبة عن الوعي ومُستغفلة إلى الحد الذي لا ينبغي أن يكون أن يتنبهوا ويعلموا علم اليقين أن "مفهوم إسرائيل الكبرى" الذي يجري التحضير والإستعداد لتنفيذه على قدمٍ وساق ، هو " مفهوم أمن جغرافي يتمدد ويتوسع ليبتلع المنطقة بأسرها ، ولا ينحصر هذا المشروع في كونه مجرد مشروع ديمغرافي يهدف إلى إخضاع المنطقة العربية للإرادة الإسرائيلية السامية ، وشل حركتها تماماً بحيث تكون غير قادرة على مواجهة ذلك المشروع وأصحابه على كافة الصعد والمستويات والحقب الزمنية ، بل إنه يهدف وسيمضي إلى ماهو أكثر خطراً ومآلات من ذلك .
وفي سياق الترويج الكبير لتسويق مشروع إقامة "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من الفرات إلى النيل وتضم إليها مناطق عديدة من عدة دول عربية وإسلامية ، ولتأكيد مساعي "إسرائيل" الحثيثة لإقامة دولتها الكبرى ، صدر بالتوازي مع ذلك كتاب خطير يروج لفكرة دولة إسرائيل الكبرى تمت طباعته في عام 2010م ويحمل عنوان ( العودة إلى مكة ) لمؤلفه السياسي الإسرائيلي المعروف بأفكاره اليمينية المُتطرفه وعنصريته الصهيونية ( إيفي ليبكن) والمولود بمدينه نيويوك الأمريكية عام 1949م ، وهاجر إلى فلسطين المحتلة عام 1968م ، وخدم في جيش الإحتلال الإسرائيلي لفترة .
ويضم كتاب "ليبكن" الذي يقع في 247 صفحة في طياته ، أهم وأخطر خطط "إسرائيل" المُستقبلية للتوسع والهيمنة والسيطرة على المنطقة العربية برمتها ، ويُوضح هذا الكتاب بالتفصيل الأفكار الصهيونية المتطرفة التي يُومن بها المُؤلف كإسرائيلي صهيوني لا يحمل في صدره للعرب والمسلمين إلا الحقد والكراهية والبغضاء .
وأهم مالفت انتباهي في كتاب "ليبكن" هو قوله الصريح زاعمًا :"إن أرض تبوك والحجاز في المملكة العربية السعودية أراضٍ يهودية ، وهي لبني "إسرائيل" كما ذُكر في التوراة في (سفر يوشع بن نون) وتنتمي لأرض "إسرائيل الكبرى" .
ويدعو مؤلف الكتاب الإسرائيليين الذين يحتلون فلسطين المحتلة صراحةً إلى العمل الجاد للقضاء على الإسلام كدين وهدم الكعبة المشرفة في مكة المكرمة ، حيث قبلة المسلمين والمكان المقدس الذي يحجون إليه كل عام عبر تعاون مسيحي يهودي مشترك .
ومن الأهمية بمكان الإشارة ضمن السياق إلى أن هذا الكاتب والمُفكر الصهيوني المتطرف ، أهتم منذ وقت مبكر وتحديداً منذ العام 1991م بنشر مُعتقدات الفكر الصهيوني وأصبح من فريق الوعظ التابع للإتحاد اليهودي المسيحي في منابر ألف كنيسة ومعبد في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية وغيرها ، وكان هدفه الدائم والرئيسي التحكم في الرأي العام الغربي بما يخدم عقيدة الصهيونية العالمية وأهداف ومطامح إسرائيل في التوسع والهيمنة على المنطقة العربية .
وفي مقابلة تلفزيونية يقول المفكر الصهيوني "ليبكن" : "إن القدس ليست من مقدسات المسلمين ، ولا ذكر لها في القرآن وأهميتها بالنسبة لهم هي إنكار أحقية اليهود والنصارى" .
وفيما يتعلق بكتابه المُثير للجدل يقول "ليبكن" : " كتابي هذا هو أننا إذا أتفقنا مع المسيحيين للحصول على مكة والمدينة ونحمل الراية معًا كما أراد الله لنا ذلك ، وهو الذي أرسل الشيطان إلى الجحيم ألف سنة" .
وحول حدود مشروع "إسرائيل الكبرى" التي يروج لها "ليبكن" وغيره من المفكرين الصهاينة ، يقول :"الحدود ستمتد حسب سفر التثنية 11 ، من النيل إلى الفرات ، ومن لبنان إلى السعودية ، والعودة إلى مكة تعني جذور الكتاب المُقدس ، وهذا على وشك الحدوث وهو النصر البشري بالنسبة لنا إذا حصلنا على مكة والمدينة ، وسنحصل عليهما" .
وحول ما تعنيه العودة إلى مكة بالنسبة لليهود ، يقول الكاتب الإسرائيلي ( إيفي ليبكن) في كتابه المذكور :"يعني عودة بني "إسرائيل" إلى مكة والمدينة وجبل سيناء امتداد حدود دولة إسرائيل الكبرى المرتقبة إلى لبنان وغيرها من الأراضي العربية في عدة دول والتي ستضم لكيان "إسرائيل الكبرى" .
* المقال يعبر عن رأي الكاتب