السياسية || محمد محسن الجوهري*

اليوم، وبعد الرد الإيراني المفحم، عرف الجميع الفرق بين إيران وخصومها، فدول الخليج مجتمعة ليست نداً لإيران ولم تكن كذلك في تاريخها، فهي أدوات تخدم المشروع الصهيوني وخنجر يطعن الأمة الإسلامية في ظهرها نيابة عن واشنطن وتل أبيب. ولو باشرت إيران ردع هذه الدول فور انتصار ثورتها الإسلامية لكانت محقة في ذلك، ولوفرت علينا الكثير من مؤامرات الأشقاء ضد أبناء جلدتهم، ولما رأينا داعش والتكفيريين يفتكون بجسد الأمة الإسلامية من أقصاها إلى أدناها، ولما صدَّق النظام السعودي نفسه بأنه قوة إقليمية وذهب ليعتدي على الشعب اليمني بمزاعم باهتة كان الأولى أن يدفعها عن نفسه.

فرضت إيران نفسها بالقوة ونجحت في الدفاع عن شعبها وإثبات هيمنتها على منطقة الخليج رداً على العدوان الصهيو-أميركي الذي اتخذ من الضفة الغربية للخليج قاعدة لتهديد الجمهورية الإسلامية والتآمر على شعبها ونظامها الإسلامي، وخرجت من العدوان كقوة عظمى تهدد العالم بأكمله وليس فقط دول العدوان وقواعده القريبة منها.

وهنا يتساءل المواطن العربي: ما دامت طهران تملك كل هذه القوة، فلماذا تجاهلت الإساءات الخليجية على مدى عقود رغم أن لديها الحق والقوة لتأديب أعدائها والنيل من إساءاتهم؟
أبرز من أجاب عن هذا السؤال هو المحلل الإيراني الشهير حسن أحمديان، والذي أكد أن صمت طهران الطويل لم يكن ضعفاً، ولكنه يرجع إلى تبني الجمهورية الإسلامية سياسة الصبر الاستراتيجي. وهذه العقيدة تقوم على استيعاب الاستفزازات الجانبية لتجنب الانجرار إلى مواجهات "في غير زمانها أو مكانها".

فعلاً لم يكن التجاهل الإيراني من باب العجز، وإنما لإعادة تعريف مفهوم "التأديب" في وقته وحينه وحتى تقوم الحجة على خصومها؛ ولذلك انتظرت طويلاً حتى انتقل العدوان من مرحلة الحرب الإعلامية إلى الحرب العسكرية، عندئذٍ عرف الجميع من هي إيران، ليتضح أن تعاملها مع دول الخليج بلين وتساهل على مدى خمسة عقود كان من باب التواضع وحسن الجوار لا أكثر.

لقد واجهت إيران عقوداً من الإساءات الإعلامية والسياسية بـ "ترفعٍ ثوري". كانت تدرك أن العدو المشترك (الصهيونية) يقتات على الصراعات الإسلامية-الإسلامية، لذا كان تجاهل الإساءات الخليجية هو قمة "الجهاد الدبلوماسي" لمنع تمزيق نسيج الأمة رغم أنها لم تكن عاجزة عن الرد، بل كانت حريصة على ألا تعطي الذريعة لواشنطن وتل أبيب لإشعال حرب شاملة تحرق الأخضر واليابس وتخدم مصالح الاستعمار.
ولعل اندفاع الأنظمة الخليجية نحو التطبيع العلني والمجاهرة بصهيونيتها للجماهير، نتج عن قراءات غير دقيقة لقوة الجمهورية الإسلامية؛ فلو أدرك زعماء الخليج مستقبل الكارثة التي تنتظرهم لتأنوا قليلاً. فقد كلفتهم تلك الهرولة خسران الدعم الشعبي العربي، إضافة إلى مباركة الجماهير المسلمة لكل ضربة إيرانية تستهدف المنطقة، باعتبارها ساحة للمصالح والقواعد المعادية.

باختصار، فإن الصمت الإيراني كلف الأنظمة الخليجية مستقبلها وجعلها تعيش حالة من العزلة الوجدانية عن ضمير الأمة؛ فبينما كانت طهران تراكم عناصر اقتدارها وتصقل صواريخها تحت وطأة الحصار، كانت تلك العواصم تذيب ما تبقى من سيادتها في بوتقة الرهانات الخاسرة على "الحماية الصهيو-أميركية".

واليوم، يجد هؤلاء الحكام أنفسهم أمام حقيقة مرة: أن القواعد العسكرية التي ظنوها دروعاً حامية ليست إلا "أهدافاً ثابتة" في بنك أهداف محور المقاومة، وأن الهرولة نحو "تل أبيب" نزعت عنهم شرعيتهم أمام شعوبهم التي باتت ترى الهجمات الإيرانية أداة للقصاص التاريخي من قوى الاستكبار وأدواتها.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب