السياسية || محمد محسن الجوهري*

في التاريخ الحديث، كانت الشعارات هي "رأس الحربة" في التحولات الكبرى؛ فالشعارات السياسية قادرة على صناعة واقعٍ جديد من خلال توحيد الإرادات، إذ تحوّل الحشود المتفرقة إلى كتلة صلبة تتحرك نحو هدف واحد بمجرد الهتاف بكلمات معدودة. وتكمن خطورة الشعارات في قدرتها على "تسطيح" القضايا المعقدة، حيث تُستخدم كأداة للتعبئة، مما يجعلها سلاحاً قادراً على كسر العوائق المنطقية أمام النخب والأحزاب التقليدية.

وفي واقعنا العربي، تحوّل الكيان الصهيوني بفعل الدعاية المكثفة إلى "قوة خارقة لا تقبل الهزيمة"، وهي الصورة الذهنية التي التصقت بجيشه خاصة بعد نكسة يونيو 1967، الأمر الذي خلق هزيمة نفسية حتى لدى الأحرار، فيما استغل المتخاذلون تلك الانكسارات لشرعنة مواقفهم المتماهية مع العدو، ولتبرير تثبيطهم المستمر للشعوب وكسر إرادتها.

إلا أن الشعارات المضادة للهزيمة قادرة على خلق حالة من الممانعة، بل وصناعة النصر في زمن الانكسار، وهذا ما تؤكده الكثير من الثقافات العالمية؛ فالشعارات (Slogans) تُعد من أقوى الأدوات في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه السلوك الجماهيرية، فهي تكثيف لغوي للأيديولوجيا، أو الهوية، أو الرسالة السياسية، وتكمن قوتها في قدرتها على اختزال مفاهيم معقدة في بضع كلمات سهلة الحفظ والتكرار.

فالإيجاز يحوّل الشعار إلى مشروع ذي رؤية بعيدة المدى، فيما يرسخه التكرار كفكرة في العقل الباطن، مما يحوّلها مع الوقت من مجرد "مقولة" إلى "حقيقة بديهية". وبجانب خلق الانتماء، فإن الحركات السياسية والاجتماعية التي نجحت في تغيير مجتمعاتها نحو الحرية بدأت بشعارات تختزل الرؤية الجمعية وتحولت إلى راية تجمع الأفراد تحت هوية واحدة.

ويركز الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير" على أن الشعار هو "المحرك السحري" الذي يسيطر على عقول الجموع، ويرى أن من يمتلك القدرة على صياغة "الشعار" الصحيح (المختصر، الجازم، والمتكرر) يمتلك المفاتيح لتحريك الشعوب؛ لأن الشعار بالنسبة للجماهير هو الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الجدل.

ولأن الشعار يستخدم أسلوب "المقابلة" (Antithesis)، فإنه يضع الجماهير أمام خيارين لا ثالث لهما، مما يلغي المنطقة الرمادية والمساومة، وهو ما يُسمى بـ"الإلغاء القسري للحياد". فالثورة المصرية عام 1919 رفعت شعار "الاستقلال أو الموت"، مما وضع الفرد أمام "مأزق أخلاقي"؛ فإذا لم تختر الخيار الأول (المقدس)، فأنت بالضرورة ضمن الخيار الثاني (الكارثي).

وكذلك شعار المهاتما غاندي الذي قاد الثورة الهندية ضد الإنجليز تحت راية "ارحلوا عن الهند"، حيث كسر هذا الشعار "الحواجز النفسية" التي صنعها الاستعمار لسنوات، وكان للتكرار الجماعي لهذا الهتاف دوره المحوري في توحيد الهنود بمختلف مشاربهم الثقافية والعرقية خلف هدف واحد بسيط ومحدد.

وخلال مرحلة الاستعمار المباشر لشعوب العالم، أدركت القوى الاستعمارية أن بقاءها مرهون ليس فقط بالسيطرة على الأرض، وإنما بالسيطرة على "المجال التداولي" للغة؛ لذا، يسارع المستعمر لقمع الشعارات فور ظهورها لأنه يخشى الكلمات المقتضبة والجازمة لأنها لا تقبل التفاوض، وتضع الجماهير في حالة استقطاب حاد تلغي "المنطقة الرمادية" التي يتغذى عليها الاستعمار لشرعنة وجوده.

في اليمن، تتجلى عبقرية الشعار في "المشروع القرآني" الذي بدأ بشعار استطاع "تعرية المسكوت عنه " في فترة وجيزة، فبينما كانت الوجوه البارزة في السلطة آنذاك تبدو بعيدة عن استهداف الشعار مباشرة، جاءت ردة فعلها الهستيرية لتكشف أن القرار لم يكن بيدها، بل بيد القوى الدولية (أعداء الشعار الحقيقيين) التي كانت تدير المشهد من خلف الكواليس. وهنا، تحول الشعار من مجرد "مقولة" إلى "أداة فحص سيادي"؛ فبمجرد إطلاقه، سقطت الأقنعة واضطرت السلطة "الوكيلة" لممارسة القمع نيابة عن السلطة الفعلية، مما أكد للجماهير أن معركتها ليست مع الوجوه المحلية بل مع منظومة الاستعمار العالمي التي رأت في "شعار البراءة" تهديداً مباشراً لهيمنتها الأيديولوجية والسياسية في المنطقة.

لقد أثبتت هذه التجربة ما أشار إليه غوستاف لوبون من أن الشعارات تمتلك "قوة استفزازية" لا تُطاق بالنسبة للأنظمة المستبدة وشركائها الدوليين، لأنها تكسر الصمت الذي يتغذى عليه الاستعمار. وبما أن السلطة في اليمن كانت مرتهنة لإرادة الخارج، فقد كان الشعار بمثابة "الشرارة" التي فضحت تبعية هذه السلطة، حيث استنفرت كل أدواتها الأمنية والإعلامية لوأد الصرخة في مهدها، خوفاً من "العدوى النفسية" التي قد تنتقل من الفرد إلى المجموع، محولةً اليمن من ساحة خلفية مطيعة إلى مركز للممانعة والتحرر الوطني القائم على المرجعية القرآنية.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب