طوفان الجنيد*

لم تعد المضائق البحرية مجرد ممراتٍ مائيةٍ تفرضها الجغرافيا، بل تحوّلت في العصر الحديث إلى مختبرات للصراع بين مفهومين متضادين هما السيادة الملكية الخاصة للدول المشاطئة والعولمة والتدويل القسري (بوصفها مصلحةً عامةً دولية)، وفي قلب هذا الصراع، يبرز مضيقا هرمز وباب المندب كأهم المضايق البحرية وأخطر نقاط الاختناق الجيوسياسي في العالم.

الملكية السيادية الخاصة (هرمز الإيراني)
لقد مثّل مضيق هرمز الحالة الأبرز لتحويل الحق الجغرافي إلى سلطة سياسية فاعلة، فقد نجحت إيران، من خلال موقعها المشرف على حركة الملاحة، في فرض قراءة خاصة للملكية السيادية والقانون الدولي:
1-الأمن مقابل العبور
لقد رسّخت طهران معادلة «الأمن مقابل الأمن»، حيث ترى أن حق المجتمع الدولي في استخدام المضيق (كمنفعة عامة) يتعطل أو يسقط كلما تعرّضت سيادتها الوطنية وملكيتها الخاصة للتهديد أو الحصار.
2- السيطرة العملياتية
فقد تجاوزت السيادة الإيرانية من الطابع النظري لتتحوّل إلى السيادة الميدانية عبر قوة الردع البحرية والعسكرية والتقنية المتطورة التي تمتلكها، ما أجبر القوى الكبرى على التعامل مع المضيق كمنطقة نفوذ إيرانية فعلية، لا كممر دولي مفتوح.

اليمن إعادة تعريف السيادة الملكية في "باب المندب"
شكّلت التطورات الأخيرة في باب المندب صدمة استراتيجية لقوى الاستكبار العالمي، حيث انتقل اليمن من دور «الحارس السلبي إلى اللاعب الفاعل والمؤثر»:
1- كسر الوصاية الدولية
لسنوات طويلة، كان مضيق المندب وكالة بدون بواب وتحت الوصاية الغربية وتحت تصرفها بذريعة حماية الملاحة.
غير أن التحرك اليمني الأخير أثبت أن الدولة المشاطئة، حين تمتلك الإرادة والقوة، قادرة على استعادة الحق المصادر والملكية السيادية المختطفة وفرض الاحرار شروطهم السياسية والأخلاقية وبسطوا السيادة على المضيق.
2- الربط الاستراتيجي بين الجغرافيا والموقف
أثبت النموذج اليمني أن مضيق "باب المندب" ليس مجرد طريقٍ بحري غير محدد المعالم بل اداة ضغط سياسية مرتبط العبور فيه بملفات إقليمية، وجبهة محورية مقاومة كاملة السيادة، وأداة ضغط قوية لكسر الهيمنة الدولية.

الصدام التحليلي بين «الخاص» السيادي و«العام» الملاحي

يكمن جوهر الصراع في هذه الممرات المائية في التناقض بين رؤيتين رؤية القوى الكبرى الاستعمارية التي تسعى إلى فرض مفهوم «الملكية العامة» للمضائق بهدف تحييد الدول المشاطئة، وتبرير التدخل العسكري بحجة حماية طرق التجارة والطاقة.
وبين رؤية محور المقاومة التي تؤمن بأن الممرات المائية «أصول وطنية»، لا يمكن فصل أمنها عن أمن الدولة الساحلية، وأن «المشاع الدولي» لا يمنح القوى الخارجية حق مصادرة السيادة الوطنية على هذه المنافذ أو الممرات.

الاستنتاجات الاستراتيجية
استنادًا إلى المعطيات الميدانية في إيران واليمن، يمكننا القول بأن الإرادة السياسية والتكنولوجيا العسكرية للدول المشاطئة تتفوّق على مفهوم التدويل القسري والحماية التقليدية، وان حرية الملاحة، الدولية مشروطةً باحترام السيادة الوطنية للدول الساحلية، بوصفها حقًا خاصًا.
لقد أفرزت الأحداث الماضية والحالية نشوء نظام بحري جديد «متعدد الأقطاب»، لم تعد فيه البوارج الغربية قادرة على ضمان العبور دون تفاهمات سياسية مع العواصم التي تمتلك مفاتيح هذه المضائق.

ختاما
بفضل الله وقوته ومحور الايمان المقاوم أصبح مضيقا هرمز وباب المندب ليسا مجرد ممران بحريان أو إحداثياتٍ جغرافية، بل تجسيدًا ماديًا لمفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين.
أن القوة، حين تمتزج بالإرادة، تصبح استراتيجية قادرة على إعادة رسم حدود القانون الدولي، مؤكدة «للملكية السيادية» للمياه الإقليمية وهي الضابط الحقيقي، الوحيد، للحركة الملاحية الدولية.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب