الدورات الصيفية منابر الوعي ومعاول البناء
طوفان الجنيد*
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
فالعلم نورٌ وحياة في الدنيا والآخرة، لذا فإن الدورات الصيفية التي تقام في هذه اللحظة التاريخية التي يسطر فيها اليمن ملاحم لم تعد مجرد محطة ثقافية عابرة، بل غدت سلاحاً معرفياً يحمي الهوية، وثكنة فكرية تُشيَّد فوق أنقاضها قلاع الاستقلال.
إن الدورات الصيفية تجسد مبدأ "البناء في زمن الحرب"، حيث أصبح الحرف رصاصة، والوعي قلعةً حصينة، والأجيال متارس للدفاع عن الأمة في وجه العواصف العاتية.
وإذا كان التحصين الفكري يعد ترياق السموم المستوردة، فأن الدورات تعتبر بحد ذاتها جبهة وعيٍ متقدمة، تتكسر على صخرتها أمواج الغزو الفكري الأجنبي.
وفي عالمٍ تُشنّ فيه القوى الاستكبارية "الحروب الناعمة" لجرف القيم والأخلاق الدينية، وتمييع الانتماء للهوية الإيمانية والثقافة القرآنية، تأتي هذه الدورات الثقافية لتعيد صياغة الهوية الإيمانية واليمنية الأصيلة.
والدورات الصيفية للنشء والشباب تعد عملية استرداد للذات الحضارية انتشال أجيال الأمة من تيه الاستلاب إلى رحاب العزة، وأيضاً تفسد اهداف الثقافات الباطلة التي تحاول النيل من أهل الإيمان والحكمة، وأهل المدد والنصرة.
إن مفهوم الأمن القومي لم يعد محصوراً في حماية الحدود أو الميادين العسكرية فحسب، بل بات يتمثل -في جوهره- في تحصين العقول؛ فالإنسان الذي لا يُهزم داخلياً هو ذاته من يصنع الانتصارات ميدانياً.
ومن هنا، تبرز الضرورة الحتمية لهذه الدورات، إذ تُعدّ الإنسان القلعة الذي يمتلك المناعة الذاتية ضد مشاريع التمييع والتقسيم والتفتيت وإشعال الفتن.
فالدورات الصيفية هي استثمار سيادي يضمن للأمة صلابة الجبهة الداخليةأمام إي اختراقات الثقافات المغلوطة أو المؤمرات الفكرية، وجاء ذلك من ايمان قادة الامة بأن سلامة الأوطان تبدأ من سلامة الأفكار.
ويخرج من الدورات الصيفية أجيالاً تحمل معارف في عدة مجالات التنمية والزراعة والصناعة والرياضة والابتكار، فهي مصانع الرجال بالعلم واللبنة الأولى لسيادة الاقتصاد، بتحوِّيل طاقات الشباب إلى الاكتفاء الذاتي، والتحرر من قيود الحصار بدلا من الاعتماد على الخارج.
الخلاصة أن الدورات الصيفية تعد بمثابة البذرة الصحيحة لغرس مستقبلٍ مشرقٍ، حرٍّ، وهي الرهان القوي على المستقبل الكريم، بل إنها الصرخة المعرفية التي توقظ الكوامن، والشرارة التي توقد مشاعل الاستنهاض.
وبقدر ما يكون الغرس الصيفي عميقاً ومتجذراً في قيم الهوية، يكون الحصاد الوطني ثماراً من العزة والمنعة.
لقد أثبتت التجربة، في ظل الأحداث التاريخية والمخططات التآمرية للعدو، أن الكلمة الواعية هي من تصون البندقية الشريفة، وأن هذه الميادين هي الحقل المقدّس الذي يُزرع فيه بذر الاستقلال، لتنمو شجرة الكرامة والحرية وارفة الظلال.
*المقال يعبر عن رأي الكاتب

