هل العالم على أعتاب مرحلة جديدة من سباق التسلح النووي؟
السياسية - تقرير:
بعد أكثر من ثلاثة عقود على نهاية الحرب الباردة، عاد مصطلح "سباق التسلح النووي" ليتصدر عناوين الأخبار، فالقوى الكبرى تعلن عن تحديث ترساناتها، ودول جديدة تطرق باب النادي النووي، بينما تتآكل المعاهدات التي كانت تكبح جماح الانتشار، فهل العالم مقبل على موجة تصعيد جديدة؟
وفي محاولة للحد من خطر الأسلحة النووية على الأمن العالمي، افتتح، أمس الإثنين، مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، الذي ينعقد في الفترة من 27 أبريل إلى 22 مايو 2026، ويشهد مشاركة دولية واسعة.
ويأتي هذا المؤتمر في وقت تشهد فيه الساحة الدولية توترات جيوسياسية متصاعدة، وهو ما يؤدي إلى ضغوط هائلة على المعاهدات الدولية القائمة، ويجعل من مؤتمر المراجعة الحالي نقطة تحول حاسمة في مسار الأمن العالمي.
وفي افتتاح المؤتمر، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من خطر التهديدات النووية المتزايدة التي تواجه البشرية، مؤكدا أن منظومة الرقابة الدولية على هذه الأسلحة بدأت في التلاشي وسط مظاهر عودة التسلح.
وأشار المسؤول الأممي إلى أن العالم بات يقف على أعتاب مرحلة خطيرة من التصعيد النووي.
وأعرب غوتيريش عن قلقه العميق من تراجع الالتزام بالاتفاقيات الدولية، مؤكدا أن آليات الرقابة التي صانت السلم العالمي لعقود أصبحت في حالة وهن، مما يفتح الباب أمام عودة "التجارب النووية" إلى الواجهة من جديد.
كما انتقد سعي بعض الحكومات الحثيث للحصول على هذه "الأسلحة المرعبة" أو تحديث ترساناتها الموجودة، معتبرًا أن هذا التوجه يغذي سباق تسلح جديد يضع مستقبل الكوكب على المحك.
وشدد على ضرورة عودة الدول كافة للالتزام ببنود معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مطالبا باتخاذ تدابير فورية وعملية لمنع وقوع أي مواجهة نووية، والتي وصفها بأنها ستكون كارثية ولا رابح فيها.
وفي ختام كلمته، دعا الأمين العام المجتمع الدولي إلى توحيد الجهود لتحقيق الهدف الأسمى وهو "العيش في عالم خال من الأسلحة النووية"، وأكد أن نزع السلاح ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة أخلاقية ووجودية لحماية الأجيال القادمة من دمار شامل.
وتعد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الركيزة الأساسية للجهود الدولية الرامية إلى الحد من التسلح النووي، وفُتح باب الانضمام إليها عام 1968، وانضمت إليها 191 دولة، ودخلت حيز التنفيذ عام 1970، وفي عام 1995 مُدِّدت إلى أجل غير مسمى.
2.887 تريليون $ الإنفاق العسكري لعام 2025
وفي شأن متصل، أعلن معهد ستوكهولم الدولي للأبحاث، أن إجمالي الإنفاق العسكري العالمي عام 2025 بلغ حوالي 2.887 تريليون دولار، بزيادة قدرها 2.9% عن 2024، وذلك للعام 11 على التوالي.
ووفقا لتقرير صادر عن المركز، وصلت حصة الإنفاق العسكري في الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 2.5%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2009، وعلى الرغم من أن معدل النمو السنوي البالغ 2.9% كان أقل بكثير من 9.7% في عام 2024، إلا أن هذا التباطؤ يُعزى إلى حد كبير إلى انخفاض الإنفاق في هذا المجال في الولايات المتحدة.
وطبقاً للتقرير، فإن الدول الثلاث الأكبر إنفاقا عسكريا (الولايات المتحدة والصين وروسيا) أنفقت مجتمعة 1.480 تريليون دولار، أو 51% من الإجمالي العالمي، فيما كانت أكبر خمس دول من حيث هذا المؤشر في عام 2025 هي: الولايات المتحدة - 954 مليار دولار، الصين - 336 مليار دولار، روسيا - 190 مليار دولار، ألمانيا - 114 مليار دولار، الهند - 92.1 مليار دولار، وشكلت هذه الدول مجتمعة 58% من الإنفاق العسكري العالمي.
وأشار خبراء معهد ستوكهولم الدولي، إلى أن الإنفاق العسكري انخفض في الولايات المتحدة، لكنه ارتفع بشكل ملحوظ في مناطق أخرى مثل أوروبا ، حيث ارتفع هناك بنسبة 14%، وآسيا وأوقيانوسيا ارتفع بنسبة 8.1%، وخارج الولايات المتحدة، ارتفع إجمالي الإنفاق في عام 2025 بنسبة 9.2%.
وذكر الخبراء أن الإنفاق العسكري في أوروبا بلغ 864 مليار دولار، بزيادة 14%، وهي أكبر زيادة سنوية في وسط وغرب أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة.
وبلغ الإنفاق العسكري الروسي 190 مليار دولار (زيادة 5.9%)، ما يعادل 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وأوكرانيا 84.1 مليار دولار (زيادة 20%)، ما يعادل 40% من الناتج المحلي الإجمالي، لتحتل المرتبة السابعة عالميا.
وقال الباحث لورينزو سكاراتساتو: "في عام 2025، وصل الإنفاق العسكري كنسبة من الإنفاق الحكومي إلى أعلى مستوى له على الإطلاق في كل من روسيا وأوكرانيا".
وبلغ الإنفاق في آسيا وأوقيانوسيا 681 مليار دولار، بزيادة 8.1% موزعة كما يلي: الصين: 336 مليار دولار (زيادة 7.4%)، للعام الحادي والثلاثين على التوالي، الهند: 92.1 مليار دولار (زيادة 8.9%)، اليابان (المرتبة 10): 62.2 مليار دولار (زيادة 9.7%)، أعلى مستوى منذ 1958، باكستان (المرتبة 31): 11.9 مليار دولار (زيادة 11%)، تايوان (المرتبة 22): 18.2 مليار دولار (زيادة 14%)، أكبر زيادة سنوية منذ 1988.
فيما بلغ الإنفاق العسكري للدول الـ32 الأعضاء في الناتو حوالي 1.581 تريليون دولار، أو 55% من الإنفاق العالمي، وأنفقت 29 دولة أوروبية عضواً في الناتو ما مجموعه 559 مليار دولار، وبلغ الإنفاق العسكري لدى 22 منها 2.0% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلّق الباحث شياو ليانغ: "ارتفع الإنفاق العسكري العالمي مرة أخرى في عام 2025، حيث استجابت الدول لعام آخر من الحروب وعدم اليقين والاضطرابات الجيوسياسية من خلال برامج تسلح واسعة النطاق. بالنظر إلى حجم الأزمات الحالية، فمن المرجح أن يستمر هذا النمو حتى عام 2026 وما بعده".
وأشار مدير برنامج الإنفاق العسكري وإنتاج الأسلحة في معهد ستوكهولم نان تيان، إلى أن انخفاض الإنفاق الأمريكي في 2025 قد يكون مؤقتا، حيث أقره الكونغرس لعام 2026 بأكثر من تريليون دولار، ويمكن أن يرتفع إلى 1.5 تريليون دولار في 2027 إذا تم اعتماد ميزانية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
اندفاع ترامب يغذي سباق التسلح النووي
وفي السياق، نشرت جريدة "الجارديان" البريطانية مقالا للكاتب البريطاني سيمون تيسدال قال فيه: "لقد برر ترامب إعلانه الحرب في 28 فبراير 2026 بأن إيران - وخاصة برنامجها النووي- تشكل “تهديدا وشيكا”، لكن إيران لا تمتلك أسلحة نووية، بينما تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل"
ويقول الكاتب، إن تصرفات ترامب المندفعة وغير المتوقعة تزيد من حالة عدم الاستقرار، كما أن سياساته العسكرية تغذي سباق التسلح النووي عالميا. فالولايات المتحدة تنفق مليارات لتحديث ترسانتها، وكذلك فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا وكوريا الشمالية، بينما توسع الصين قدراتها بسرعة.
ويضيف "كما انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 الذي أبرمه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بدعم أوروبي، وهو قرار أدى مباشرة إلى التوتر الحالي".
ويرى الكاتب البريطاني أن مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية "ينعقد حاليا في نيويورك وسط أجواء تشاؤمية، مع تزايد المخاطر النووية وانهيار جهود الحد من التسلح. وهذه ليست قصة خيالية، فقد هددت روسيا باستخدام السلاح النووي منذ غزوها لأوكرانيا، كما ظهرت تقارير عن احتمال لجوء الولايات المتحدة لذلك".
ويقول تيسدال في ختام مقاله، "إذا لم يتم التوصل إلى حل عادل، فقد يصبح كابوس "الدمار المتبادل المؤكد" الذي ساد خلال الحرب الباردة واقعا جديدا لا مفر منه".
دراسة تحذر : لا تراهنوا على القنبلة
من جهتها، حذرت منظمات غير حكومية، من اتجاه عدد متزايد من المؤسسات المالية إلى الاستثمار في إنتاج الأسلحة النووية، منبّهة إلى خطر تصعيد وسط توترات دولية متزايدة وإنفاق عسكري غير مسبوق.
ويعرب كثير من الخبراء عن قلقهم من خطر سباق تسلح نووي جديد، في وقت تخوض دول تملك أسلحة نووية صراعات في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، في حين أن الجهود التي تُبذل منذ عقود للحد من التسلح ومنع الانتشار النووي تفقد زخمها.
وسلطت "الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية" (إيكان) ، وهي حائزة على جائزة نوبل للسلام، ومنظمة (باكس) المناهضة للأسلحة النووية، الضوء في التقرير على تزايد اهتمام مؤسسات مالية عديدة بالشركات العاملة على تطوير ترسانات الدول التسع النووية وتحديثها ، وفق موقع الجزيرة نت.
واستند التقرير السنوي الصادر بعنوان "لا تراهنوا على القنبلة" إلى بيانات تشمل المدة بين يناير 2023 وسبتمبر 2025.
وأفاد التقرير ، بأن 301 جهة من بنوك وصناديق تقاعد وشركات تأمين ومؤسسات مالية أخرى موّلت شركات معنية بإنتاج أسلحة نووية أو استثمرت فيها.
وأشار إلى أن هذا العدد من المستثمرين يمثل زيادة بنسبة 15% مقارنة بالعام السابق، بعد سنوات من التراجع.
ولفتت مديرة برنامج "الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية" سوزي سنايدر ، المشاركة في إعداد التقرير إلى أن "عدد المستثمرين الساعين إلى الربح من سباق التسلح يتزايد للمرة الأولى منذ سنوات".
وحذرت في بيان قائلة "إنها إستراتيجية قصيرة الأجل محفوفة بالأخطار، وتسهم في تصعيد خطِر"، مؤكدة أنه "من المستحيل الربح من سباق التسلح من دون تأجيجه".
وأكدت المنظمات أن الدول التسع التي تملك أسلحة نووية، وهي روسيا والصين وفرنسا وباكستان والهند وإسرائيل وكوريا الشمالية وبريطانيا والولايات المتحدة ، تعمل حاليا على تحديث ترساناتها أو تطويرها، مشيرة إلى زيادة الطلب على هذه الأسلحة.
ويسلط التقرير الضوء على ارتفاع حاد في القيمة السوقية لعديد من شركات الأسلحة الكبرى مع انتهاء صلاحية معاهدة "نيو ستارت" بين روسيا والولايات المتحدة في فبراير الماضي، التي كانت آخر معاهدة بين القوتين النوويتين الرئيسيتين تهدف إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية.
كما أبرز التقرير الضغط المتزايد الذي تمارسه الحكومات، لا سيما في أوروبا، لحض المستثمرين على رفع القيود الأخلاقية التي تقيّد استثماراتهم في شركات الأسلحة.
وتشدد الحكومات على أن الاستثمارات في إعادة تسليح أوروبا لا ينبغي أن تخضع لقيود أخلاقية، ويذهب بعضها مثل بريطانيا إلى حد اعتبار هذه الاستثمارات واجبا أخلاقيا في مواجهة التهديد الروسي والمخاوف المتنامية من فقدان أوروبا حماية واشنطن.
25 شركة تشارك في إنتاج أسلحة نووية
وتحدث التقرير عن مشاركة 25 شركة في إنتاج أسلحة نووية. وتُعَد "هانيويل إنترناشونال" و"جنرال دايناميكس" و"نورثروب غرومان" أكبر المنتجين من دون احتساب التكتلات والمشروعات المشتركة.
ومن بين المنتجين الرئيسيين الآخرين "بي إيه إي سيستمز" و"بيكتل" و"لوكهيد مارتن".
وأفاد التقرير بأن أكبر 3 مستثمرين في هذه الشركات، من حيث قيمة الأسهم والسندات، هي الصناديق الأمريكية "فانغارد" و"بلاك روك" و"كابيتال غروب".
سباق تسلح نووي جديد متعدد الأقطاب
وتحدث خبير الصراعات النووية الدكتور طارق عبدالعزيز ، عن مصير نظام منع الانتشار العالمي، في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع والجدل المتجدد.
وأوضح دكتور طارق في تصريح لصحيفة "الأيام نيوز" المصرية، أن "مرحلة ما بعد الحرب الباردة رسّخت لفترة طويلة قناعة، بأن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية نجحت نسبيا في كبح انتشار السلاح النووي، إلا أن التطورات الراهنة، وعلى رأسها التصعيد المرتبط بإيران، بدأت تقوّض هذه الفرضية الأساسية، وتعيد فتح النقاش حول فاعلية النظام الدولي القائم لمنع الانتشار".
واعتبر أن "العالم قد يكون أمام سباق تسلح نووي جديد متعدد الأقطاب، يختلف عن حقبة الحرب الباردة، إذ لا يقتصر على الردع التقليدي، بل يشمل أنماطا أكثر تعقيدا، مثل الردع الغامض والتقنيات الكمية والذكاء الاصطناعي والتسليح المتقدم"، مشيرا إلى أن "دولا مثل السعودية وتركيا في الشرق الأوسط، واليابان وكوريا الجنوبية في آسيا، وألمانيا في أوروبا، قد تكون مرشحة نظريا للدخول في هذا السباق".
لحظة فارقة للأمن العالمي
من ناحيته، يرى المحلل السياسي، الدكتور ستيفن سيمبالا ، أن حرب إيران أصبحت لحظة فارقة بالنسبة للأمن العالمي. وفي الوقت الذي تعتبر فيه العواقب الإنسانية والجيوسياسية الفورية عميقة، فإن آثار الصراع الأعمق وعلى المدى الأبعد ربما يتم الشعور بها بشكل أكثر حدة في مجال الحد من الأسلحة النووية ومنع انتشارها.
وقال سيمبالا، وهو أستاذ في العلوم السياسية بجامعة ولاية بنسلفانيا برانديواين ، في تقرير نشرته مجلة "ناشونال إنتريست" الأمريكية، إنه على مدار عقود، سعى النظام العالمي لمنع الانتشار، الذي أرسته معاهدة منع الانتشار النووي ووكالة الطاقة الذرية ومجموعة من الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف ، للحد من انتشار الأسلحة النووية وخفض مخاطر اندلاع صراع نووي.
وأضاف، أن "الحرب قد كشفت نقاط الضعف الهيكلية في هذا النظام، وتحدت افتراضات قائمة منذ فترة طويلة عن الردع والدبلوماسية، وسرعت وتيرة ضغوط الانتشار في واحدة من مناطق العالم الأكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، وعمق اندلاع الحرب هذا الشك. وربما تستخلص الدول التي تراقب الصراع أنه حتى عندما تذعن للاتفاقيات، فإن جهات فاعلة خارجية ربما لا تزال تلجأ إلى قوة عسكرية قسرية".
وحسب سيمبالا "ربما تفسر دول الصراع على أنه دليل على أنه لا يمكن الاعتماد على الضمانات الأمنية الإقليمية. وكنتيجة لذلك، فإنها ربما تسعى إلى تبنى استراتيجيات تحوط نووية، تتمثل في تطوير برامج مدنية من شأنها أن تقصر المدة الزمنية لتطوير محتمل لأسلحة نووية بدون أن تنتهك على نحو صريح معاهدة منع الانتشار".
واختتم سيمبالا تقريره بالقول إن "المخاطر عالية وسوف تشكل الخيارات التي سيتم اتخاذها في السنوات المقبلة، مستقبل الأمن العالمي لعقود قادمة".
سبأ

