السياسية:
محمد محسن الجوهري*




يحتاج محمد بن سلمان إلى تثبيت نفسه في السلطة والانتقال من ولاية العهد إلى الملك وهو الأمر الذي يعارضه أغلب أفراد الأسرة الحاكمة وينتظرون هلاك والده للانقلاب عليه لأن لا شرعية لبن سلمان اليوم إلا من شرعية أبيه بنظر آل سعود، ومن المحتمل أن يستغل الولد الغارات اليمنية لإعلان مقتل أبيه على أمل تثبيت نفسه في السلطة واستثمار موت والده، وهذه الحيل غالباً ما يستخدمها الطغاة لفرض ولايتهم مستغلين أي أحداث راهنة سياسية كانت أم عسكرية.

وفي حالة بن سلمان، وفي ظل التعقيدات العائلية وتزاحم الخصوم على إسقاطه فإن في الغارات اليمنية فرصة سانحة، وتقوم هذه الفرضية على سيناريو سياسي بالغ الحساسية، حيث يستغل محمد بن سلمان حالة الصدمة والارتباك لتصفية حساباته مع خصومه داخل الأسرة الحاكمة، أو لتثبيت انتقال السلطة إليه عبر إعلان مقتل والده الملك سلمان بن عبدالعزيز في القصف، سواء أكان الإعلان مطابقًا للحقيقة أم استُخدم لتسريع انتقال الحكم. والسؤال الأهم هنا ليس ما إذا كان مثل هذا السيناريو سيقع، إذ لا توجد في الفرضية وحدها أدلة تثبت وجود خطة من هذا النوع، بل ما الذي قد يحدث لو تداخلت صدمة عسكرية خارجية مع صراع داخلي على السلطة، وما التداعيات التي يمكن أن تترتب على ذلك بالنسبة إلى اليمنيين والمنطقة بأسرها؟

من الناحية السياسية، يمكن للحروب والأزمات الأمنية أن تعيد تشكيل موازين القوى داخل الدول، لأن الخطر الخارجي يمنح القيادة مبررًا لتوسيع صلاحياتها، وفرض إجراءات استثنائية، وإعادة توزيع المسؤوليات داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. وقد تستفيد القيادة من حالة الخوف العام لتقديم نفسها بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار. لكن هذا لا يعني أن كل هجوم خارجي يؤدي بالضرورة إلى تعزيز الحاكم؛ فقد يتحول الهجوم نفسه إلى دليل على فشل المنظومة الأمنية، ويثير أسئلة محرجة حول الاستعداد العسكري وكفاءة أجهزة الاستخبارات وقدرة الدولة على حماية عاصمتها.

وفي الحالة السعودية، لا يمكن التعامل مع انتقال السلطة باعتباره مجرد إعلان يصدره شخص واحد. فالنظام الأساسي للحكم ينص على انتقال صلاحيات الملك إلى ولي العهد عند وفاة الملك، إلى حين مبايعته، كما ينظم نظام هيئة البيعة اختيار الملك وولي العهد. ويظل الاعتراف داخل مؤسسات الحكم، وتماسك الأجهزة الأمنية والعسكرية، ومواقف الشخصيات النافذة، عناصر مهمة في استقرار الانتقال، ولهذا قد يؤدي إعلان مقتل سلمان إلى توحيد قطاعات من النخبة حول ولي العهد، باعتباره الخليفة المتوقع، وقد تُقدَّم استمرارية القيادة باعتبارها أولوية وطنية. لكن وفاة الملك لا تعني تلقائيًا اختفاء كل الاعتراضات داخل الأسرة المالكة؛ فالموافقة على انتقال الحكم، والولاء السياسي، والقبول بتوزيع السلطات، مسائل مترابطة لكنها ليست متطابقة.

ولهذا فإن بن سلمان، ومن خلال التضليل الإعلامي، سيعلن عن مقتل الكثير من الأمراء مستغلاً القصف اليمني، وسيختفي الكثير من أبناء عمومته على طريقة جده الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الذي أخفى الكثير من خصومه من آل سعود خلال حروبه التوسعية مطلع القرن العشرين، وهو التاريخ الأسود الذي يعلمه آل سعود ويخشون سيناريو آخر مشابه على يد بن سلمان، ومن نجا منهم من مذبحة الأمراء فإن مصيره التهميش والتشريد، ولا مخرج لهم إلا بتدارك الوضع والانقلاب على بن سلمان مستغلين الأحداث نفسها والتي كشفت هشاشة النظام وتآكل هيبته جراء الضربات الموجعة من اليمن.

تقدم التجربة السعودية السابقة خلفية مهمة لفهم هذا الاحتمال. ففي عام 2017، جرى تغيير ولاية العهد من محمد بن نايف إلى محمد بن سلمان، وأفادت تقارير لاحقة وجود تحفظات لدى بعض الأمراء على تركيز السلطة في يد ولي العهد، وإن لم يكن ذلك دليلًا على وجود معارضة موحدة أو قادرة على إزاحته.

وتوضح هذه الخلفية أن الخلافات داخل الأسر الحاكمة لا تُقاس بعدد المعترضين وحده، بل بقدرتهم على التنسيق، وبمدى نفوذهم داخل مؤسسات الدولة، وباستعداد بقية النخبة للمخاطرة في مواجهة القيادة. فإذا اقترنت الأزمة الأمنية بإقصاء واسع لشخصيات نافذة، فقد ينظر بعضهم إلى الإجراءات باعتبارها محاولة لإغلاق المجال أمام أي مشاركة مستقبلية في الحكم، الأمر الذي قد يضعف الثقة المتبادلة ويزيد احتمالات الصراع المكتوم أو العلني.

وعلينا أن نأخذ في الحسبان أن الهجمات اليمنية خلفت أزمة اقتصادية عميقة في المملكة وأضرت بشكلٍ حاد رؤية بن سلمان 2030 كما تسببت بخسائر لقطاعات النقل والطيران والسياحة، فضلًا عن تراجع حسابات الدول التي تعتمد على استقرار السعودية في علاقاتها الاقتصادية والأمنية.
وتشير دراسة نشرها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في فبراير 2026 إلى أن تركيز القرار السياسي في يد محمد بن سلمان أصبح سمة بارزة للنظام السعودي، وأن الإصلاحات الاقتصادية ما زالت تواجه تحديات تتعلق باستمرار الاعتماد على النفط. ومن هذا المنطلق، فإن الأزمة الحالية قد تضع ضغوطًا إضافية على مشروع التحول الاقتصادي، ما يتطلب مبررات قوية للفشل، وهو الأمر الذي يلازمه إحباط داخلي ويتطلب معه إجراءات قمعية لفرض بقاء السلطة بيد بن سلمان.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب