السياسية || محمد محسن الجوهري*



تتزاحم العواصم والساسة والإعلاميين على إدانة الرد اليمن على عدوان الرياض، وهي رغم كثرتها، لا تفعل ذلك إلا طمعاً في المال السعودي ولو كانوا أحراراً لرأينا لهم بعض المواقف المشرفة تجاه العدوان السعودي المستمر منذ أكثر من عقد، ولرأيناهم يقفون إلى جانب غزة التي تتشارك مع صنعاء تداعيات المؤامرة الصهيوخليجية على المسلمين، ولكننا في عالم تحكمه المصالح ويندر فيه الأحرار.

وكثرة أولئك لا تشكل رقماً بالنسبة لنا وإنما تزيدنا قناعة بمضاعفة الجهود والمسارعة إلى امتلاك كل وسائل القوة كجزء من حقنا الطبيعي في الدفاع عن النفس في عالم مادي لا يؤمن بأي مبادئ دينية أو أخلاقية ويستن فقط بسنة الشيطان في عبادة المصالح وإحياء الأحقاد والنعرات، وكفينا شرفاً أننا اليمنيين نمثل القوة الأخلاقية في العالم العربي وعلى الجبهة المناهضة للصهيونية، ويكفي النظام السعودي عاراً أنه والكيان في خندقٍ واحد، وما كان لهما أن يجتمعا معاً لولا تشابه النفوس والعقائد حتى وإن ادعى البعض منهم أنه على دين الإسلام.

ولو أننا استعرضنا القائمة المسارعة إلى أدانة الرد اليمني لوجدناها هي القائمة التي أدانت التحرك الفلسطيني في مواجهة الكيان، بدءً من الأنظمة العميلة وشيوخ الضلال وأبواق الفتنة المأجورة، والقاسم المشترك بينهم جميعاً هو حب المال وعلى استعداد أن يبيعوا أي شي من أجله، فعقائدهم المصطنعة لا تقدس المبادئ وإنما المصالح والمال، وبما أن النظام السعودي المجرم يستثمر في تلك الأبواق فلا غرابة أن يكتظ أصحابها على بابه، وكثرتهم هنا دليل على رخص الحق في نفوس أولئك وليس لأن الكثرة تعني الحق، كما يصور الإعلام الخليجي المسألة.

أي أن تلك الإدانات عبارة عن إعلانات مدفوعة الثمن وكل المدينين مجرد أبواق دعائية لا أكثر، وأن هذه المواقف قابلة للطرق والسحب عندما تتغير الموازين وعندما يعجز النظام السعودي في تسديد فاتورته الدعائية، وسينقلب هؤلاء على الرياض كما يفعل مرتزقة اليمن بمجرد أن تتأخر السعودية في صرف أجورهم، ولنا في حزب الإصلاح وجماعة عفاش خير مثال على التقلبات السياسية القائمة على بيع الذمم.

وما تاريخ التبعية السياسية ببعيد، فمن اعتاد اقتيات الولاءات من موائد البترودولار لا يملك عقيدة صلبة ولا مشروعاً وطنياً يحميه، بل هو كالحرباء يتلون بحسب لون النفوذ والتمويل. وتلك الألسنة التي تلهج اليوم بالثناء أو ترتعد إدانةً، ستنقلب غداً على مشغليها بأقسى العبارات متى ما أفلست خزائن الرياض وانحسر سلطانها المالي، لتنكشف حقيقة هذه التحالفات الهشة التي أُسست على الرمال المتحركة للريال والدولار، وليبقى الأحرار وحدهم من يكتبون تاريخهم بدمائهم ومواقفهم الثابتة التي لا تشتريها الأموال ولا تهزها عواصف التآمر.

إن رخص هؤلاء لم يعد مجرد وصفٍ لتقلباتهم السياسية، بل هو حقيقة وجودية تسري في كل موقفٍ يبيعونه؛ إذ تحول الضمير عندهم إلى أداةٍ مأجورة تُعرض في المزاد لمن يدفع أكثر. وهوان هؤلاء على أنفسهم جعلهم مجرد أدوات وظيفة تُحرَّك بفقرات العقود وحوالات البنوك، مجردين من أدنى معاني الكرامة والاستقلالية. وحين تكون القيم والأخلاق سلعاً رخيصة في سوق النخاسة الإعلامية، فإن أصحابها يسقطون من ذاكرة الشعوب الحرة، فلا يتبقى منهم سوى خيبة الارتهان وعار التبعية التي تجعل رخصهم برهاناً ساطعاً على أن المبادئ لا تُشترى بالمال، وأن من يبيع أمن أمة وكبرياءها مقابل أجرٍ معلوم لا يستحق إلا أن يُرمى في سلة مهملات التاريخ.




* المقال يعبر عن رأي الكاتب