محمد الفرح*

كنا نسمع عن الباطل والتضليل وغياب العدالة، لكننا لم نكن نستوعب حجمها ومستواها. ربما كان البعض يتصور الظلم في حدود أن يظلم في قسم شرطة، أو أن يدّعي عليه آخر باطلًا، أو أن يُستولى على ميراث قريبة.

وعندما كنا نسمع عن التضليل، كانت تحضر في أذهاننا صور ما كان يحدث في زمن فرعون أو في زمن بني أمية، لكننا اليوم رأيناه أمام أعيننا، وبصورة واضحة لا تقبل الالتباس.

أيُّ باطل أعظم من أن تعتدي السعودية على دولة أخرى ذات سيادة، من دون أي مبرر مشروع، وأن تستمر في حربها وحصارها، وتقتل مئات الآلاف، وتستهدف الناس في الأسواق والطرقات والمدارس والمساجد، وحتى في مجالس العزاء والأعراس؟ ثم، عندما يأتي الرد أو تجري محاولة لكسر حصار استمر أكثر من اثني عشر عامًا، وأفضى إلى معاناة إنسانية واسعة وموت أعداد كبيرة من المرضى، تتوحد أصوات المتدين والعلماني والملحد والتكفيري، وتتفق دول ومنظمات وكيانات مختلفة على إدانتك وتصويرك باعتبارك الطرف المخطئ، وكأن كل ما سبق من عدوان وحصار ودمار لم يحدث!

هذا وجه من وجوه الباطل والتضليل، لكن الوجه الآخر أشد خطورة: أن تسمع بيانًا يصدر عن الأزهر، أو هيئة علماء، أو دار إفتاء، يشرعن استهدافك، ويستبيح دماءك، ويبارك المجازر التي تطال أهلك وأطفالك والمدنيين في الطرقات والأسواق، ثم يُغلَّف ذلك كله بصياغة دينية، ويُنسب إلى الله ورسوله وكتابه زورًا وبهتانًا.

هنا لا يعود الأمر مجرد موقف سياسي منحاز، بل يتحول إلى تضليل يُستغل فيه الدين لتبرير الظلم والعدوان.

ومن صور الباطل أيضًا أن تُوصَف، وأنت يمني في بلدك، بأنك لا حق لك في تقرير شؤون وطنك، وأن عليك انتظار ما يقرره الأجنبي، وأنك أنت المحتل، بينما يأتي من يتحدث عن تحرير بلدك منك! ثم يصل الأمر إلى أن يدين الإسرائيلي مقاومة اليمنيين، ويصوّر تحركاتهم المشروعة، وفق موقفهم من العدوان، باعتبارها جريمة تستوجب الإدانة.

هذا هو الباطل حين يبلغ ذروته: أن يُعتدى عليك، ثم تُدان لأنك قاومت؛ وأن تُحاصَر، ثم تُلام لأنك حاولت كسر الحصار؛ وأن يُقتل أهلك، ثم يأتي من يشرعن قتلهم باسم الدين؛ وأن يُنتزع منك حقك في وطنك، ثم يُقال لك إنك أنت المحتل!

*المقال يعبر عن رأي الكاتب