علي ظافر*


يتساءل كثيرون عن خلفيات الموقف اليمني وتصاعد العمليات العسكرية في العمق السعودي، البعض يحاول سلخ الموقف عن سياقه التاريخي منذ 12 عاماً من العدوان والحصار السعوديين غير المسبوقين على اليمن، والبعض الآخر يصر على تصوير صنعاء بأنها مجرد "دمية" و"أداة تحركها إيران" وكأن لا قضية ولا مظلومية للشعب اليمني، وكأن اليمن قاصر يعشق المشاكل .. لا! الأمور ليست بهذه الخفة وبهذه الصورة المشوّهة والمغلوطة والمجتزأة والمؤطرة والتي لا تقل بشاعة وإجراماً وظلماً عن العدوان والحصار المستمر من 12 عاماً بلا أفق أو خط نهاية على الإطلاق، فما هي الصورة والخلفيات الحقيقية للموقف في اليمن؟.

خلفيات التصعيد اليمني في العمق السعودي

صنعاء لم تبدأ العدوان على السعودية لا في الحاضر ولا في الماضي ولا عبر التاريخ بل العكس هو الصحيح، السعودية هي من بدأت عدوانها الظالم وغير المبرر والمفاجئ على اليمن وأعلنت عدوانها من أميركا، وخدمة لواشنطن و"تل أبيب" شنّت على اليمن أكثر من ربع مليون غارة في ثماني سنوات وحاصرت اليمنيين حد الخنق من 2015 -2022م لم تبق أخضر ولا يابساً وقتل أكثر من 60 ألف يمني جلهم من الأطفال والنساء، ثم دخلت صنعاء والرياض في مرحلة خفض تصعيد أعلنتها الأمم المتحدة في عام 2022م.

وعلى مدى ثماني سنوات، تمسكت صنعاء بالتهدئة والخيار السلمي وأبدت حسن النوايا ودعمت كل الجهود وفاوضت السعودي واستقبلت الوفود السعودية في صنعاء، وطارت الوفود اليمنية إلى السعودية من أجل إبقاء التهدئة وحلحلة الملفات وفي مقدمها الملف الإنساني والاقتصادي ورفع الحصار، ولما دخلت صنعاء في إسناد غزة من منطلق إنساني ديني وأخلاقي وواجهت أميركا وبريطانيا وكيان العدو بشكل مباشر من أجل فلسطين ومظلومية غزة، ظن النظام السعودي بأن اليمن قد استنزف قدراته الاستراتيجية وقد نزف دم قلبه وصار ثمرة ناضجة مهيأة للسقوط، فشددت الرياض حصارها على اليمن وتآمرت عليه وتخادمت مع الأميركي والإسرائيلي لضرب أبنائه ومصالحهم، وانقلبت على "خارطة الطريق" وجيشت التكفيريين والمرتزقة لإشعال حرب أهلية، وحينما لم يبق في القوس منزع اضطرت صنعاء إلى البحث عن خيارات بديلة لـ "كسر الحصار" وإنهاء معاناة ملايين اليمنيين الذين بات وطنهم بسبب السعودي أشبه بسجن كبير، فجاءت الطائرة الإيرانية بدوافع إنسانية لنقل حالات إنسانية؛ لأن الدول في كل هذا العالم لم تتجاوب مع اليمنيين ولم تلتفت إلى معاناتهم، ويومها يتذكر الجميع أن النظام السعودي قابل هذه الخطوة الإنسانية بالشيطنة والتهويل وتصوير الطائرة الإنسانية "خطراً يتهدد أمن الإقليم". لم يكتف بذلك فحسب، بل قصف مطار صنعاء بغارات هستيرية مهدداً حياة أكثر من 200 حالة إنسانية.

أمام هذا التصعيد، وجدت صنعاء أن لها حق الرد كخيار ضرورة، فأعلنت الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد كقاعدة حاكمة للتعامل بالمثل، وحصل ما حصل. وإلى اليوم، يواصل اليمن عملياته الدفاعية، كما شنّت السعودية منذ 3 أيلول/سبتمبر أكثر من 2300 غارة، وقتلت أكثر من 120 شهيداً وقرابة 300 جريح،60% منهم أطفال ونساء وفق إحصائيات وزارة الصحة. وكأن الرياض تخير اليمنيين بين الموت جوعاً وحصاراً أو الموت بالغارات والقصف في نهج صهيوني وتمادٍ لا يمكن أن يقبل به أي إنسان أو كيان أو دولة في العالم، فهل يقبل اليمني هذا الإذلال؟ هل يسلم اليمنيون أمرهم ورقابهم للنظام السعودي ويسلمون بالأمر الواقع؟

اليمن يدافع ويُدفِّع السعودية الثمن حتى يتوقف العدوان والحصار

في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الشاملة التي تجتاح المنطقة والعالم، واهتزاز أسواق الطاقة العالمية، كان بمقدور السعودية أن تجني عوائد اقتصادية واستراتيجية غير مسبوقة عبر الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط لو أنها غلبت لغة العقل والمنطق واعتمدت استراتيجية تصفير مشكلاتها الجيوسياسية مع اليمن والإقليم، ولم ترفض استحقاقات السلام في اليمن بعيداً عن التمسك برهانات خاطئة والانخراط في مخططات ومؤامرات إقليمية ودولية جعلت الاقتصاد السعودي يواجه كلفاً باهظة جراء التصعيد وتداعياته، لتجد السعودية منشآتها النفطية تحترق، ومطاراتها تغلق، وخزانتها في حالة استنزاف متصاعد أثر بشكل مباشر في مستويات السيولة، وطرق الشحن والتصدير النفطي البحري في حالة تراجع حاد وغير مسبوق، وخصوصاً مع استمرار خط شرق-غرب بالتوقف كما اعترف بذلك وزير الطاقة السعودي مبدياً مخاوفه الكبيرة من "تطورات لا يمكن التنبؤ بها في المرحلة المقبلة" .

ليس في الأمر مبالغة، فالوكالات الدولية تشير إلى أن السعودية تعاني من أكبر اضطراب في مطاراتها، عشرات شركات الطيران الإقليمية والدولية تواصل تعليق رحلاتها إلى المطارات السعودية وتحديداً مطار الملك خالد في الرياض، المعطيات الاقتصادية الميدانية تظهر حجم التداعيات الكارثية الناجمة عن العمليات اليمنية منذ منتصف تموز/يوليو الماضي وفق معادلتي الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، حيث تحترق منشآت أرامكو من جيزان إلى أبها ونجران وصولاً إلى الرياض وما بعد الرياض، وتكبح صادرات النفط، وتشل خطوط الشحن البحري، وفي الارتدادات تشير التقديرات وفقاً لخبراء الاقتصاد إلى نزيف مالي تصل آثاره إلى خسائر ضخمة في الإيرادات اليومية، ما وضع السيولة السعودية أمام اختبار غير مسبوق دفع الرياض إلى البحث عن قروض دولية لتغطية العجز، بالتزامن مع استمرار نزيف الإنفاق العسكري وفي الجولات الخارجية لإبرام الصفقات وشراء المواقف وتشكيل تحالفات أثبتت تجربة السنوات الماضية فشلها.

وعلى صعيد حركة التجارة والخدمات اللوجستية، شهدت صادرات النفط السعودي انخفاضاً تاريخيا حاداً وغير مسبوق منذ آب/أغسطس المنصرم وفق وكالة "بلومبرغ" الأميركية، رافقه غموض حول جاهزية ومصير كثير من المنشآت النفطية والمطارات التي أثرت العمليات اليمنية في انتظام أعمالها وأخرجتها من الخدمة إلى مصير غامض نتيجة عدم التمكن من استئناف تشغيلها.

على خط موازٍ، يثبت اليمن معادلة الحظر البحري على الملاحة السعودية، ما أدخل حركة الشحن السعودي مرحلة غير مسبوقة من الارتباك، واضطرت عمليات التحميل النفطي إلى اتباع أساليب معقدة للالتفاف على المخاطر البحرية، ما أدى إلى فقدان سوق الشحن السعودي ثقة كبريات الشركات العالمية، في حين توقفت حركة الشحن البحري السعودي بشكل شبه كامل في البحر الأحمر، ما تسبب في شلل طال الشرايين اللوجستية الرئيسية.

السعودية في مأزق: أزمة خيارات ومخارج

عند تشخيص الحالة الراهنة للنظام السعودي، تبرز حالة من التشتت والارتباك في إدارة الأزمة. فالرياض تتنقل بين خيارات مكررة جُرّبت على مدى السنوات الماضية ولم تؤدِ إلى تغيير المعادلات الميدانية ومن أبرز تلك الخيارات:

1- التحشيد الداخلي والورقة العسكرية: محاولة "يمننة" الصراع عبر تحريك ودعم الجبهات الداخلية والدفع بالتحشيدات، من دون تقديم حلول جذرية لأسباب الصراع وفي مقدمها إنهاء العدوان والحصار والاحتلال وتمكين اليمنيين من ثرواتهم.

2- المناورات الدبلوماسية والإقليمية من خلال محاولة بناء تحالفات عسكرية وسياسات إقليمية جديدة عبر اجتماعات ومذكرات ثلاثية (كما جرى في مكة وإسطنبول)، وصولاً إلى التحالف السري مع كيان العدو الإسرائيلي.

3- الصفقات المستعجلة، حيث لجأت الرياض مؤخراً إلى إبرام صفقة تسليح سريعة ومستعجلة مع واشنطن، مع علمها بأن الأمن لا يشترى وأمن الآخرين مهدد.

البعد الأميركي ليس غائباً أيضاً عن المشهد، إذ لوّح ترامب باحتمالية التدخل العسكري المباشر، ويقدم حالياً الاستشارات والسلاح والمعلومات الاستخبارية، وأميركا و"إسرائيل" منذ البداية كانتا تدفعان باتجاه توريط الرياض مجدداً سواء ضد إيران أو اليمن، رغم أن واشنطن نفسها شنّت جولتين من العدوان على اليمن لمحاولة ردع اليمنيين وتركيعهم ودفعت بكل ثقلها العسكري من حاملات طائرات وقاذفات استراتيجية وصواريخ توماهوك وكروز و...الخ، دون أن تنجح في تغيير موازين القوى وهزيمة اليمن أو حماية ملاحة العدو الإسرائيلي، لتبدأ بعدئذ في البحث عن مسارات تفاوضية تقر بالواقع الميداني الجديد.

وهنا، تبرز المفارقة التي ينبغي للرياض الوقوف عندها، إذا كانت القدرات العسكرية والأجهزة الاستراتيجية الأميركية قد عجزت بنفسها عن فرض خيارها العسكري والسياسي، فإن الرهان على صفقات السلاح المستعجلة، والغارات الجوية وحشد التكفيريين وتجييش المرتزقة لن يغير شيئاً من معادلات الردع، ولن يوفر الحماية للمصالح والمنشآت الاقتصادية السعودية، كما أن رغبة كيان العدو الإسرائيلي في ملء ما تصفه الأوساط الصهيونية بـ "الفراغ" والتقدم لتوسيع تحالف أمني مع الرياض لن يغير في المعادلة شيئاً سوى المزيد من السقوط الأخلاقي للنظام السعودي والخسران في الدنيا قبل الآخرة. وهنا، من المفيد الإشارة إلى أن السعودية خرجت من التخفي خلف مرتزقتها، إلى العلن وأعلنت مشاركة 100 طائرة في العدوان على اليمن بعد يوم من تصريح نتنياهو عن باب المندب وهرمز وكأن النظام السعودي مدير تنفيذي لـ"جيش" العدو الإسرائيلي.

الخاتمة وتقدير الموقف

ختاماً، وفي تقدير متواضع للموقف وفق قراءة موضوعية للمشهد العام، نجد أن السعودية اليوم في مأزق استراتيجي بلا مخارج سهلة وبلا خيارات، وتقف على مفترق طرق حاسم بين الاستمرار في التصعيد وبالتالي دفع مزيد من الكلف، أو الانتقال الشجاع نحو معالجة أصل المشكلة عبر الاستجابة لمتطلبات السلام العادل في اليمن.

ودائما ما نكرر في كثير من المداولات وفي مقالات سابقة بأن الأمن لا يشترى ولا يجزأ وأن حماية المصالح النفطية والاقتصادية السعودية، وتأمين الملاحة البحرية والمطارات والأجواء السعودية، لن يتأتى واليمن محاصر براً وبحراً وجواً ويعتدى عليه، لا عبر التحالفات العسكرية المستوردة ولا صفقات السلاح المستعجلة، ولا بالرهان على أدوات مواجهة جربت وفشلت، ولا بالارتهان للإملاءات والضغوط الأميركية والإسرائيلية بل عبر تلبية استحقاقات السلام التي أعلنها اليمن، وعبر تصفير الأزمات مع المحيط الإقليمي ابتداء من اليمن، وصنعاء تؤكد باستمرار أن كلفة السلام مهما بلغت تظل دائماً أقل بكثير من كلفة الاستنزاف المفتوح في حرب عدوانية أثبتت السنوات أنها فاشلة وبلا أفق.

* المادة الصحفية تم نقلهاحرفيا من الميادين نت