السياســـية: تقرير || صادق سريع*

عانى اليمنيون في العهد السابق من الأزمات الاقتصادية؛ فبمجرد حدوث توتر سياسي، أو أزمة طارئة كتعرّض سفينة للقرصنة بالقرب من المياه اليمنية تمسّ شرايين الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، كان ذلك ذريعة لسماسرة السوق السوداء لمضاعفة معاناة المواطن الذي يكون هو الضحية الوحيدة دائماً.

والآن، تغيَّرت المعادلة تماماً؛ إذ انتهت الأزمات التموينية والنفطية وطوابير البترول والغاز أمام المحطات، واختفت أساليب التلاعب بأسعار العملات، وألاعيب المحتكرين وسماسرة السوق السوداء. كل هذا الاستقرار التمويني حدث في ظل سنوات الحصار ومماطلة العدو السعودي في تنفيذ استحقاقات السلام. لكن، ما سر هذه المفارقة الاقتصادية بين اليوم والأمس؟

كثيراً ما يردد المواطن اليمني هذا التساؤل: لماذا كانت الأزمات تخنقه في عهد النظام السابق رغم حالة الاستقرار للبلاد؟ وتكمن الإجابة في تسلط القوى النافذة سابقاً على قوت الشعب للضغط على السلطة وتحقيق مكاسب مالية وفوارق سعرية، في المقابل قام النظام الحالي بإنهاء حقبة الفساد في القطاعين التمويني والنفطي، عبر إدارة مركزية موحدة تخضع لرقابة صارمة.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن صنعاء نجحت في تجاوز نظريات الاقتصاد التقليدية بإدارة مبتكرة لاقتصاد الحرب، في مواجهة تحدِّيات الحصار الاقتصادي الذي يفرضه النظام السعودي عليها منذ 12 عاماً، بالإضافة إلى العقوبات الأمريكية والغربية التي تُستخدم كسلاح ضغط عليها، بل تحوَّلت خطتها الإدارية إلى نموذج اقتصادي يعيد صياغة مفاهيم إدارة الموارد المالية الشحيحة.

ويرى مراقبون اقتصاديون أن صنعاء اليوم تضع منظِّري النظريات الاقتصادية الذين يؤمنون بأن الحرب والحصار سببان رئيسيان لانهيار العملة، وديمومة الأزمات الاقتصادية وتحكم تجار السوق السوداء بالمواد التموينية والمحروقات، أمام واقع يعيد تعريف مفهوم الصمود الاقتصادي، وذلك بفضل انتهاجها إدارة مبتكرة رغم شح الموارد.

ووفقاً لدراسات اقتصادية حديثة، فإن نجاح صنعاء في تجاوز الأزمات التموينية بإدارة مواردها المحدودة ورغم نقل البنك المركزي من العاصمة صنعاء إلى عدن وعزلها عن النظام المالي العالمي (سويفت)، مقابل تدهور قيمة الريال إلى مستويات قريبة من الانهيار المصرفي في المناطق الجنوبية والشرقية، يفرض على عمالقة الاقتصاد إعادة النظر في مفاهيم إدارة الأزمات والسياسات المالية.

وعلى الرغم من أن صنعاء تخوض معركة التحرير وكسر الحصار الاقتصادي ضد العدو السعودي ومرتزقته، فإن المواد التموينية والنفط والغاز تتوفر في مناطقها بشكل مستقر وبسعر ثابت، بينما يعاني المواطن فيما تسمى بـ"مناطق الشرعية" - غير الخاضعة للحصار وحيث تقع حقول النفط والغاز- من ارتفاعات حادة في أسعار المواد الغذائية وأزمات مستمرة في المحروقات.

وقد أثار الاستقرار التمويني في مناطق صنعاء دهشة المراقبين والمحللين الاقتصاديين، بتمكن سلطتها من إدارة مواردها وتجاوز سياسة التجويع الاقتصادي، والانتقال من فكرة البقاء إلى فكرة إعادة الهيكلة وإفشال قيود الحروب الاقتصادية الحديثة التي يفرضها النظام السعودي، في تحوّل استراتيجي تجاوز مخاوف الانهيار إلى تحقيق الأمان والاستقرار ومواجهة الأزمات الاقتصادية.

والخلاصة، وفقاً لخبراء الاقتصاد، أن صنعاء تفرض اليوم معادلة تُعيد صياغة مفاهيم "اقتصاد الحرب"، وتضع منظِّري السياسات النقدية أمام نموذج مالي استثنائي يتحدى أزمات الحروب والحصار الاقتصادي وسياسات التجويع، من خلال إدارة ذاتية ذكية ورقابة صارمة تمكنت من الحفاظ على سعر الريال، وتحقيق الأمن الغذائي، وإنهاء الأزمات التقليدية للنفط والغاز المنزلي.