طوفان الجنيد*

في غرف القرار داخل البيت الأبيض، حيث تُحاك خطط الهيمنة وتُوزَّع أدوار الوصاية، بدأ "درسٌ" يتسرّب إلى عقول صنّاع السياسة الأميركية، لا عبر قاعات التفاوض، بل من فوهة بندقية المقاومة في اليمن، ومن معادلة الردع الصلبة في إيران.
والسؤال الذي يفرضه الواقع اليوم: هل استوعب ترمب وإدارته أن زمن “الضربة الخاطفة” قد ولّى، وأن الجغرافيا لم تعد مجرّد مساحة للحركة، بل ميدان مواجهة يُعيد صياغة قواعد الاشتباك؟

الدرس اليمني
تعلّم ترمب، ومن قبله كل من راهن على “حسمٍ سريع”، أن اليمن ليس رقماً في معادلة استعمارية. لقد صُدم حين اكتشف أن اليمن تحوّل إلى قوة ردع قاهرة، قادرة على تحويل بحار المنطقة إلى ممرّات محفوفة بمخاطر تكنولوجيا غير تقليدية.

كان الدرس اليمني على القوة الأميركية قاسياً:
فالطائرات والبارجات التي طالما أبهرت العالم بقوتها، باتت اليوم عاجزة أمام إرادة القوة العسكرية اليمنية، التي استطاعت فرض حصار فعلي على ممرّات التجارة الدولية.
هنا تعلّم ترمب أن “الغطرسة” لا تُغذّيها الميزانيات العسكرية، وأن الميدان اليمني يمتلك طول نَفَسٍ استراتيجياً لا تستطيع آلة الحرب الأميركية الصمود أمام تداعياته الاقتصادية والجيوسياسية.

الدرس الإيراني
أما الدرس الإيراني، فهو أشدّ تعقيداً. فقد اكتشف ترمب أن سياسة “الخنق” والعقوبات، إلى جانب “الضربات الموضعية”، لم تُنتج استسلاماً، بل صنعت بيئة إقليمية لا تخشاها العقوبات ولا تُرهبها الاغتيالات.
حين تتحدث واشنطن عن “إبادة” أو عن استهداف البنى التحتية، فإنها تكشف عجزها عن قراءة المتغيّر الاستراتيجي الأهم:
إيران ليست مجرد دولة، بل مركز إقليمي لمشروع «وحدة الساحات».
اليوم، يتخبّط ترمب بين تصريحاته المتناقضة؛ يهدد بالإبادة تارة، ويغرق في وحل التداعيات الناتجة عن فقدان القادة وتصدّع المنظومة العسكرية تارة أخرى، ليجد نفسه أخيراً أمام مأزق حقيقي: فقدان الأدوات الفاعلة على الأرض.

ختاماً:
الدرس الأهم، الذي يبدو أن ترمب لم يستوعبه بالكامل بعد، هو أن الدبلوماسية الأميركية، التي تحاول استجداء النتائج بعد الفشل العسكري، محكومة بـ عجزٍ بنيوي.
لقد أدرك كبار صنّاع القرار في واشنطن أن محاولة كسر الإرادة في اليمن وإيران ليست مجرد معركة سياسية، بل محاولة فاشلة لتغيير حقيقة تاريخية راسخة.
القوة التي تفتقر إلى فهم “روح الميدان” محكومة بالهزيمة، سواء في قلب المحيطات أو داخل غرف المفاوضات.
إن ما تعلّمه ترمب ليس “حكمة” تُصلح أخطاءه، بل صدمة استراتيجية ستُجبر إدارته، عاجلاً أم آجلاً، على إعادة تعريف دور أميركا في منطقة قررت أخيراً أن تُكتب جغرافيتها بأقلام أصحابها، لا بخرائط المستعمرين.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب