من باب المندب إلى هرمز.. كيف انكشفت حدود القوة الأمريكية؟
السياسية - رصد :
شكّل السادس من أيار في عامي 2025 و2026 محطة كاشفة لتحوّل عميق في طبيعة القوة الأمريكية في غرب آسيا، بعدما أظهرت المواجهات البحرية في البحر الأحمر ومضيق هرمز تراجع فعالية الردع الأمريكي أمام قوى إقليمية باتت قادرة على فرض كلفة مرتفعة على أي تدخل عسكري أو بحري. ففي عام 2026 اضطرت واشنطن إلى تعليق ما سمّته "مشروع الحرية" في مضيق هرمز بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة على إطلاقه، بعدما تبيّن أن المشروع أُعلن سياسياً وإعلامياً قبل امتلاك القدرة الفعلية على تنفيذه ميدانياً، في ظل تعقيدات البيئة العسكرية في المضيق والقدرات الإيرانية المتراكمة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب البحرية.
وجاء التراجع الأمريكي السريع ليعكس ارتباكاً واضحاً في إدارة المواجهة مع طهران، ويكشف فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي القائم على استعراض القوة وبين القدرة الحقيقية على فرض الوقائع في الميدان. كما أظهرت التطورات أن إيران استطاعت تحويل مضيق هرمز إلى بيئة اشتباك معقدة وعالية المخاطر، ما جعل أي تحرك أمريكي منفرد مكلفاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
وفي البحر الأحمر، انتهت المواجهة الأمريكية مع اليمن عام 2025 بإعلان وقف العمليات العسكرية بعد أربعة وخمسين يوماً من القتال من دون تحقيق الأهداف المعلنة، رغم استخدام الولايات المتحدة قوة نارية ضخمة شملت حاملات الطائرات والطائرات المتطورة والغارات المكثفة. إلا أن ذلك لم ينجح في وقف الهجمات اليمنية أو تأمين الملاحة للسفن المرتبطة بـ"إسرائيل"، كما فشلت واشنطن في استعادة صورة الردع التي حاولت ترميمها.
وخلال المواجهة فرضت القوات اليمنية معادلة استنزاف معقدة عبر الاشتباك المتكرر مع القطع البحرية الأمريكية وإسقاط عدد من الطائرات، ما أجبر البحرية الأمريكية على تنفيذ مناورات دفاعية ومكلفة لتفادي الاستهداف. وبذلك تحولت الحرب إلى نموذج واضح للحرب غير المتماثلة، حيث تمكن طرف أقل تسليحاً وإمكانات من إرباك قوة عسكرية كبرى وإفشال أهدافها العملياتية والسياسية.
كما استمرت تداعيات العمليات اليمنية حتى بعد وقف المواجهة العسكرية، إذ بقيت آثار الحصار البحري واضحة على الموانئ الإسرائيلية، وخصوصاً ميناء إيلات الذي شهد تراجعاً حاداً في نشاطه التجاري نتيجة استمرار عزوف شركات الشحن عن المرور عبر البحر الأحمر، ما دفع إلى اعتماد مسارات بديلة أكثر كلفة وأقل فاعلية.
وأظهرت هذه التطورات أن أدوات التفوق العسكري التقليدي لم تعد قادرة على حسم الصراعات كما في السابق، في ظل صعود تكتيكات مرنة تعتمد على الاستنزاف والحرب غير المتماثلة منخفضة الكلفة وعالية التأثير. كما برزت إيران واليمن كقوتين قادرتين على فرض معادلات ردع جديدة أضعفت صورة الولايات المتحدة كضامن أمني قادر على حماية مصالحه وحلفائه في المنطقة.
* المادة الصحفية تم نقلها حرفيا من موقع الخنادق

