عدنان عبدالله الجنيد*

في لحظةٍ إقليميةٍ كثيفة الاشتباك، ومع تصاعد المواجهة بين محور المقاومة ومنظومة الاستكبار العالمي، جاء الإعلان عن مذكرة التفاهم بين أمريكا والجمهورية الإسلامية في إيران ليُشعل معركةً من نوعٍ آخر: معركة الرواية والوعي.

وقد سارعت أدوات الإعلام الغربي والأقلام المأجورة الخليجية إلى تسويق سردية تزعم “تخلّي إيران عن حلفائها”، لكن الوقائع السياسية، ونصوص التفاهم الرسمية، وردود الفعل الصهيونية الغاضبة والمنقسمة، نسفت هذه الرواية المضللة من جذورها.

هذه قراءة تحليلية استراتيجية تُفكّك مضمون التفاهم، وتُبرز كيف تحوّل إلى شاهدٍ على وفاء إيران، وقوة محور المقاومة، وانكسار كيان الاحتلال الصهيوني في السياسة كما في الميدان.

وتكشف بنود مذكرة التفاهم المعاصرة أنّ ما جرى كان اشتباكًا سياديًّا فرضت فيه طهران معادلاتها بقوة الميدان.

وأبرز ما جاء في بنود هذا التفاهم:

وقف شامل ودائم لإطلاق النار على جميع الجبهات، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية الصامدة.

ربط أية تهدئة إقليمية بضمان سيادة لبنان الكاملة وحماية وَحدة أراضيه.

تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية، وفتح الممرات البحرية الحيوية، والإفراج الشامل عن الأصول الإيرانية المجمدة.

إدارة المرحلة الانتقالية بمنطق "الدفع مقابل الالتزام المتبادل"، لا منطق الإملاءات الأحادية الأمريكية.

إن إدراج لبنان في صُلب هذا التفاهم الدولي هو عنوان سيادي كبير يُسقط أوهام العدوّ الصهيوني في الفصل بين الساحات، ويُثبت بالملموس وحدة الجبهات في المنطق الاستراتيجي لمحور المقاومة.

وعلى نقيض السردية الغربية البائسة، دارت المفاوضات الإيرانية من موقع الحماية الاستراتيجية والتكامل معهم؛ وقد تجلّى هذا الوفاء المبدئي في:

الإصرار الحازم على إدراج الجبهة اللبنانية كبند أصيل غير قابل للتجزئة أَو المساومة.

التنسيق السياسي والعسكري المسبق مع قوى المقاومة، بما يؤكّـد أنّ الحلفاء كانوا شركاء حقيقيين في صناعة القرار لا مُجَـرّد أوراق للتفاوض.

هكذا أثبتت إيران مجدّدًا أنّ الوفاء في قاموس المحور هو سياسة دولة راسخة تُمارَس بثبات تحت خط النار.


سقوطُ سرديةِ الإعلامِ الغربي والتابع

تعرّت ماكينة التضليل الغربية والأقلام الخليجية التابعة لها أمام نصوص التفاهم الحقيقية وردود الفعل الدولية؛ فالإعلام الذي بَشَّر لأسابيع بـ "انقسام محور المقاومة" اصطدم بثلاث حقائق دامغة نسفت مزاعمه:

أولًا: الوثيقة الرسمية التي ربطت التهدئة الكلية بوقف العدوان على لبنان، وهو النقيض التام لرواية "الصفقة المنفردة".

ثانيًا: النتائج العملية التي منحت إيران مكاسب سيادية واقتصادية ملموسة، ما يؤكّـد أنّ التفاوض جرى من موقع الند القوي لا المستسلم.

ثالثًا: حالة الهلع والارتباك الصهيوني؛ فلو كانت طهران قد تخلّت حقًّا عن حلفائها، لكان كيان الاحتلال أول المحتفلين والمرحِّبين، لا أول المعترضين والمصدومين.

وبهذا، سقط الإعلام المأجور في امتحان المصداقية، وانكشفت وظيفته الحقيقية كأدَاة هابطة من أدوات الحرب النفسية لا كمنبر للحقيقة والواقع.


مكاسب محور المقاومة وانكسار كيان الاحتلال الصهيوني

تُظهر الحصيلة الاستراتيجية والسياسية النهائية لهذا التفاهم مؤشرات كبرى على تبدل موازين القوى، ومنها:

تكريس معادلة إقليمية ثابتة: لا أمن ولا استقرار في المنطقة من دون وقف العدوان الكامل على لبنان والمنطقة.

الاعتراف الدولي والأمريكي غير المباشر بثقل محور المقاومة كقوة إقليمية عظمى لا يمكن تجريدها أَو تجاوزها في أية معادلة مستدامة.

انكشاف الهشاشة البنيوية للكيان الصهيوني، الذي وجد نفسه معزولًا وخارج غرف صناعة القرار الدولي، غارقًا في انقسامات داخلية حادة وغير مسبوقة بين مستوياته السياسية والعسكرية.

إنه انكسار سياسي ودبلوماسي مدوٍّ يُضاف إلى الانكسارات الميدانية المتلاحقة في غزة ولبنان، ويؤشر بوضوح إلى انتقال المنطقة الكامل من زمن الهيمنة الأحادية الأمريكية إلى زمن توازن الردع وتعدد الأقطاب الإقليمية الحرة.

إذن.. مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية هي وثيقة إدانة تاريخية لسردية الاستكبار، وشهادة وفاء ناصعة لمحور المقاومة.

لقد أثبتت إيران للعالم أجمع أنّ الحلفاء لا يُباعون ولا يُشترون على طاولة التفاوض، وأنّ الدم الطاهر الذي يُصان ويُدافع عنه في الميدان يُصان ويُثمر أَيْـضًا في أروقة السياسة.

أما الإعلام الغربي المأجور فقد خسر معركته الأخلاقية والنفسية في صناعة الوعي، بينما خرج كيان الاحتلال الصهيوني من هذه الجولة أضعف بنيةً، وأكثر عزلةً، وأشد ارتباكًا.

إنها مرحلة تاريخية جديدة تُكتب فيها المعادلات بلغة الصمود والتحدي، حَيثُ غدت المقاومةُ شريكًا أصيلًا ورئيسيًّا في صياغة القرار.. لا موضوعًا للتفاوض والإملاءات.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب