لماذا يعشق الإنجليز اسم "إدوارد"؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
يُعتبر اسم (إدوارد) من الأسماء الإنجليزية الأصيلة، أي أنه اسم ساكسوني جرماني وليس مستورداً من الثقافات الرومانية واللاتينية التي هيمنت على أوروبا لأكثر من ألفي عام، وهو اسم يرمز إلى "الوقار والتاريخ"، ويفضله الآباء الإنجليز الذين يبحثون عن أسماء ملكية كلاسيكية لا تندثر، بدلاً من الأسماء المستحدثة، خاصة أن ثمانية من ملوك إنجلترا اختاروا لأنفسهم هذا الاسم ليصبح بذلك من أكثر الأسماء انتشاراً في المجتمع الإنجليزي.
وسبب شهرته يرجع إلى رمزية الاسم في الصراع المسيحي – اليهودي، فهو رمز للمسيحية المناهضة للإفساد اليهودي في المجتمع الإنجليزي، ويشير إلى ملحمة تاريخية كان بطلها الملك الإنجليزي إدوارد الأول الذي حكم بين عامي 1272 و1307م، وهي الفترة التي شهدت ثورة مسيحية ضد اليهود بقيادة الملك نفسه، ونجح في استئصال الإفساد المالي والأخلاقي لليهود من إنجلترا لأكثر من 350 سنة، حيث ظلت البلاد محرمة على اليهود حتى وصول أوليفر كرومويل إلى الحكم سنة 1653م، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من تهويد المجتمع الإنجليزي.
ورغم تلك الهيمنة الممتدة إلى عصرنا الحاضر، والتشويه المتعمد لسيرة الملك المسيحي إدوارد الأول، إلا أن الإنجليز احتفظوا باسمه وتوارثوه كرمز يعبر عن رفضهم العميق لكل التغيرات التي جعلت من بلادهم وسيلة لهيمنة اليهود على العالم، وتذكّر بأن إدوارد وثورته لا تزال ممتدة حتى اليوم ويوماً ما ستخرج للعلن وتعيد للإنجليز هيمنتهم واستقلالهم من القرار اليهودي.
الكثير من تفاصيل الصراع الإنجليزي – اليهودي أوردها الكاتب البريطاني "وليام غاي كار" في كتابه الشهير (اليهود خلف كل جريمة)، أما المصادر العامة مثل الشبكة العنكبوتية وموسوعة بريتانيكا فإنها تتعمد الإساءة للملك إدوارد والأسباب المنطقية التي قادته لطرد اليهود من إنجلترا ومصادرة ثرواتهم، ومنها ممارستهم للإقراض الربوي الذي جعل الكثير من نبلاء إنجلترا تحت هيمنتهم وتمكنوا من خلالهم التحكم بالكثير من القرارات السياسية والدينية، وبلغ الأمر حد التضحية بأطفال مسيحيين في طقوس شيطانية كتلك التي يمارسونها اليوم في جزيرة إبستين وغيرها.
والأمر كله يذكرنا بأهمية الأسماء في الثقافة اليهودية، فاسم "محمد" عندهم من المحركات والسبب معروف، فقد كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله اليد الطولى في القضاء على الإفساد اليهودي الأول، ولذلك ارتبط اسمه بالعداء لهم، وكذلك أسماء العترة المطهرة من آل بيته الكرام وأولهم الإمام علي عليه السلام، فهو فاتح حصن خيبر، أهم القلاع اليهودية في جزيرة العرب.
بالمقابل فإن "عمر" من الأسماء التي يفضلها اليهود، لأن الخليفة الثاني لم يكن معادياً لليهود بل كان من المتسامحين معهم، حتى أن كبير القضاة في خلافته كان يهودياً متعصباً، وهكذا استمر التعاطف معهم في زمن بني أمية والأنظمة الأخرى التي استنت بسنة عمر بن الخطاب، واليوم نجد مشاهير من الإسرائيليين يحملون هذا الاسم من أمثال "عمر تيشلر" القائد الحالي للقوات الجوية الصهيونية، وكذلك السياسي عمر بارليف عضو الكنيست عن حزب العمل، وحتى الأسير الإسرائيلي عومر شيمتوف الشهير بتقبيل جبين اثنين من مقاتلي "القسّام" في فبراير 2025.
أما عن التعصب لهذا الاسم عند الوهابية فهو نتاج تأثرهم الفكري بالعقائد الإسرائيلية والتي سعت إلى فصل الأمة عن الرموز المعادية لليهود وربط أبنائها بأبطال وهميين لا يحملون أي دلالة في المعركة التاريخية بين الحق والباطل، ولذا نرى اليوم المتعصبين للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يتعصبون لقضايا الأمة المركزية وأولها العداء للكيان الصهيوني، فيما رأينا المتعصبين لعمر في سورية والخليج يقفون اليوم إلى جانب الكيان الصهيوني وحجتهم في ذلك أن رموزهم الدينية تعايشت مع اليهود ومكنتهم من تشكيل الهوية الدينية للأمة.
لذا فإن استحضار التاريخ في واقعنا المعاصر هو ضرورة لفهم أدوات الهيمنة التي تُمارس اليوم، حيث تظل الأسماء والرموز التاريخية مؤشرات كاشفة لانحيازات القوى والصراعات الخفية. وبينما يسعى "التيار المهيمن" إلى طمس الحقائق وتنميط السرديات التاريخية عبر منصاته وموسوعاته لخدمة أجنداته، يظل الوعي الشعبي – الذي يحفظ دلالات الأسماء ويربطها بمواقف أصحابها – هو خط دفاعي يحمي الهوية والاستقلال.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

