مقال مناطقي.. لماذا أهل صعدة؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
من يتابع أخبار الحروب الست الظالمة في صعدة يعلم كيف تغير واقع الناس الجهادي خلال زمن يكاد أن يكون قياسياً، فشتان ما بين الحرب الأولى والسادسة رغم أن الفارق الزمني لم يتجاوز السنوات الأربع، إلا أن الأخيرة شهدت اندفاعاً شعبياً هائلاً نحو الجبهات وكل بجهود طوعية وبإنفاق ذاتي، بخلاف ما كان عليه الحال في الحرب الأولى فقد اقتصر الجهاد حينها على قلة قليلة من المؤمنين لم يتجاوز عددهم المئات.
فما الذي استجد بين الحربين؟
هل نزلت ملازم جديدة للسيد حسين أعادت رسم المسار الجهادي ليواكب الواقع الجديد بعد الحرب؟
الكل يعرف أن السيد حسين -رضوان الله عليه- قد استشهد في الحرب الأولى، وتوقفت باستشهاده دروس معرفة الله والواقع من خلال القرآن الكريم، إلا أن ما قدمه قبل استشهاده كان كافياً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهنا كانت المفارقة فالقلة السابقة آمنت من واقع ثقتها في الله وفي توجيهاته القرآنية، أما سائر الناس فظلوا على جمودهم حتى رأوا آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم، وأدركوا أن السيد حسين كان يدعوهم لخير الدنيا والآخرة، وأن التفريط في أعلام الهدى من آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو التفريط بالأمة نفسها وبعامة الناس كافة، فقد كان الجميع ضحية للهمجية والانتهاكات التي شنتها السلطة الظالمة وأعوانها من المجرمين والخونة وشيوخ الضلال.
كما أدرك الجميع أن اليهود، الذين حذرنا منهم الشهيد القائد، قد يأتون بأشكالٍ مختلفة، فمنهم من يأتي باسم الوطن والوطنية، ومنهم من يتحدث باسم الدين والصحابة والسنة والجماعة’ وآخرون باسم التعايش والتسامح والعيش المشترك، وجميعهم أدوات للصهاينة تتنافس فيما بينها لتنفيذ مشاريعهم وأجنداتهم، ولحرف بوصلة العداء إلى أمة محمد نفسها بدلاً من أن يتوحد الجميع ضد عدوهم الأبدي الذي نص عليه القرآن الكريم.
ومن يتذكر تلك المرحلة وما قبلها من المراحل، يعلم علم اليقين أن الحرب لم تكن محلية على الإطلاق، فالجيش اليمني لم يكن قبلها بهذه العدوانية تجاه المواطنين من أبناء جلدته، لكنها الأوامر التي تلقتها قيادته الخائنة والعميلة جعلته يستميت دفاعاً عن حرمة اليهود وكرامتهم ضد الأحرار والشرفاء الذين رفعوا راية القرآن وطالبوا بتحرير الأمة وقرارها من المد الصهيوني.
ومما يؤكد أن إدارة الحروب الست كانت يهودية بامتياز، هي أساليب العقوبات الجماعية للأهالي في محافظة صعدة، فقد انتهجت القوات المسلحة النهج الصهيوني في ضرب المدنيين وامتهانهم لإثارة الحنق الجمعي ضد المجاهدين، وقد استعانت السلطة العميلة بشيوخ الوهابية لغسل أدمغة الجنود وتحريضهم على القتل بالهوية ومعاقبة الجميع، والوهابية، وعبر تاريخها الطويل، هي أداة صهيونية خالصة لتدمير المسلمين بالمسلمين، ولصرف الأنظار عن عدوهم الفعلي، وحيثما رأيت الوهابي اعلم أن الحرب الصهيونية، وأن العدو الذي يحرض عليه ذلك الوهابي هو من أحرار الأمة وأشرافها، فالوهابي صهيوني بطبيعته، ولا ينطق إلا لخدمة اليهود والأنظمة الطاغوتية الموالية لهم، كالنظام السعودي ونظام عفاش في السابق.
كل تلك الممارسات على الأرض أقنعت الناس كافة بعظمة المشروع القرآني وأنه السبيل الوحيد لصون الكرامة وحفظ الدماء والأعراض، ومن هنا كان التحرك الجماعي والطوعي للمشاركة في الجبهات على طول محافظة صعدة وعرضها وفي مناطق أخرى من محافظات حجة والجوف وعمران، فالحر منهم لا يساوم في كرامته ودينه، وهكذا هم رجال الرجال حتى يومنا هذا، فتحركهم للجبهات ليس بدافع المال والتكسب، فكل ذلك من الأمور الزائلة، ومن يخرج من أجلها فإنه -حتماً- سيتجنب المواجهة في الميادين خوفاً من الموت.
وكما رأينا فإن أنصار الله قدموا الأرواح رخيصة في سبيل الله، وحموا بتضحياتهم كرامة الأحرار من أبناء اليمن، ولمن يجهل قيمة هذه التضحيات فليتأمل حال المواطن اليمني في المحافظات المحتلة، فقد خسر كل شيء مقابل وعود تتحدث عن مصالح ومكاسب مادية، ولو على حساب المقدسات والكرامة التي فطر الله الناس عليها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

