الواقعية السياسية.. مبدأ غربي لاضطهاد الأمم الأخرى
السياسية || محمد محسن الجوهري*
لو افترضنا أن بلداً إسلامياً أو من دول العالم الثالث ارتكب حماقةً ما؛ عندها ستتداعى الأمم الغربية لمحاسبته وفق الأعراف والقوانين الدولية والمواثيق الإنسانية المتعارف عليها، إلا أن الأمر يختلف عندما يكون الجاني محسوباً على الأنظمة الموالية للصهيونية العالمية؛ فهنا يتم تغييب الحقيقة، ويتحول الإجرام إلى "حق في الوجود" تفرضه معادلات القوة، أو كما يسميه الساسة: "الواقعية السياسية".
وقد وظف الغرب كل طاقاته لتحويل فلسطين إلى وطنٍ قومي لليهود، بدايةً من القوة العسكرية المفرطة ضد العرب والقرارات السياسية الجائرة، مثل وعد بلفور وقرار التقسيم عام 1947. وبعد أن أصبحت إسرائيل "أمرًا واقعًا"، ظهر مصطلح "الواقعية السياسية" الذي يشرعن الوجود الصهيوني وما يترتب عليه من جرائم بحق العرب في فلسطين. وفي حال تحرك طرف ما لمحاسبة الكيان على جرائمه التي يمارسها في العلن ويتفاخر بممارستها، يتحرك النظام الغربي مفعلاً حق النقض "الفيتو" لحماية إسرائيل من أي مساءلة قانونية.
كما أن الطرف المطالب بتطبيق العدالة يتحول إلى مجرم "معادٍ للسامية"، ويتعرض لعقوبات عسكرية واقتصادية وشيطنة إعلامية، إضافة إلى تفعيل المبادئ والقوانين الأممية ضده فقط، كما رأينا أمام إيران وفنزويلا وسورية في زمن البعث، وأي جهة أخرى تحتكم إلى الضمير الإنساني وترى أنها مسؤولة عن تطبيق العدالة ووقف الإجرام بحق الشعب الفلسطيني.
وحتى يتسنى للغرب ممارسة السطوة بحق العرب، فقد جعل من الكيان "قاعدة متقدمة" له في المنطقة تضمن سيطرته على النفط ومواجهة حركات التحرر العربية. ومن خلال هذا الربط، أصبح بقاء إسرائيل وقوتها "مصلحة وجودية" للغرب؛ وهذه ذريعة أخرى يبررون بها دعمهم اللامحدود باعتبارها مفيدة لمنطق القوة الغربي، وهذا التوظيف يجعل الدفاع عن إسرائيل جزءاً لا يتجزأ من الدفاع عن النظام العالمي الذي تقوده القوى العظمى.
إلى جانب ذلك، يُفعّل الغربيون "القوة الناعمة" التي تعيد رسم التعريفات والمفاهيم في الإعلام، وتحوّل سردية الصراع من "حركة تحرر شعبي ضد احتلال" إلى "حرب حضارية ضد الإرهاب"، بتوظيف الإعلام والأكاديميا. ومن هنا، فإن المقاومة الفلسطينية "عنف"، والقمع الإسرائيلي "دفاع عن النفس". هذا التوظيف للقوة الإعلامية جعل الرأي العام الغربي يتبنى "قوة الواقع" الإسرائيلي كحقيقة لا تقبل الجدل.
كما دفع الغرب بمسار "التطبيع" كأداة لفرض القوة، من خلال ربط الدول العربية بمسارات اقتصادية وعسكرية مع إسرائيل، وترويج مفاهيم مثل: "القوة الإسرائيلية هي المستقبل"، وأن محاولة تغيير هذا الواقع عبر الحق أو العدالة هي محاولة عبثية. وهذا التوظيف يهدف إلى جعل "الإذعان للقوة" هو السلوك السياسي العقلاني الوحيد في المنطقة.
وتتجلى المازوخية في أقذر أشكالها عندما ترى بعض العرب يتبنون الرؤية الغربية بشأن الكيان، ويتجهون لشيطنة أبناء جلدتهم ورفض حقهم في الدفاع عن النفس ووسمهم بالإرهاب. وهذا المنطق يهيمن على الإعلام الخليجي بشكلٍ عام، وهو الذي بدأ التصهين بذريعة "السلام والواقعية السياسية" قبل أن يتحول إلى عدوٍ لدود لأحرار الأمة، رغم أن ولاءه للصهيونية مكلف وسبب رئيسي لضرب مصالح دول الخليج الاقتصادية وأمنها القومي.
وهذا يؤكد أن واقعيتهم ستكون أيضاً سبباً في هلاكهم؛ فالعالم اليوم يتعاطف مع الشعب الفلسطيني ويصطف مع أي قوة عسكرية أو سياسية لضرب الكيان الصهيوني، مستنداً إلى فرضية الواقعية السياسية التي أصبحت حاجة ماسة لردع الكيان بعد فشل المنظومة الأخلاقية في فعل ذلك.
"أما الرهان على "الواقعية السياسية" الغربية ليس إلا وهماً سيفضي بأصحابه إلى الهاوية، فالتاريخ لا يرحم الكيانات التي تُقام على أنقاض الشعوب وتقتات على القمع. كما أن صعود الوعي العالمي وتنامي جبهات الرفض لهذا المنطق الأعوج يؤكدان أن معادلات القوة، مهما طغى جبروتها، ستظل عاجزة عن سحق إرادة التحرر؛ فالحق، يظل بوصلة الشعوب الحية وفي مقدمها قضية فلسطين.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

