لماذا لا تبيع السعودية النفط بالريال ؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تنتج السعودية نحو عشرة ملايين برميل من النفط يومياً، ولو كانت تبيع هذا الإنتاج بعملتها المحلية لكان الريال السعودي هو الأقوى في العالم، لكنها مضطرة أن تبيع بالدولار الأمريكي وهذا من مظاهر غياب السيادة لدى النظام الحاكم ودليل دامغ على أنه مجرد أداة بيد واشنطن وليس طرفاً مستقلاً في علاقاته وحتى في صراعه مع جيرانه.
والمعروف أن واشنطن عرضت على النظام السعودي الحماية مقابل تسعير النفط بالدولار حصرياً، أي أن السعودية تنازلت عن سيادتها مقابل أن تنقذ الاقتصاد الأمريكي من "صدمة نيكسون" التي كشفت للعالم حينها أن الدولار الأمريكي مجرد حبر على ورق حيث لا ضمانات من المعادن النفيسة على طباعته، وكادت الأزمة أن تطيح بالدولار وبالهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي، لولا أن هرعت السعودية إلى توقيع اتفاقية البترودولار سنة 1974، حتى تبقى العصا الأمريكية الغليظة قائمة وتمارس نفوذها على دول العالم.
ومن مظاهر الخضوع الكلي للقرار الأمريكي هو ما تكرر لاحقاً سنة 2008، بعد أزمة الرهن العقاري التي كادت أن تطيح بالاقتصاد الأمريكي لولا أن فرضت واشنطن على الصناديق السيادية في الخليج أن تودع كل احتياطاتها النقدية في البنوك الأمريكية ومنها الاحتياطي الفيدرالي، والذي يشكو حالياً من عجز مالي يتجاوز 34 تريليون دولار، وبات من الصعب أن تستعيد تلك الدول شيئاً من أموالها المفقودة.
من هنا تولدت لدى ولي العهد السعودي رؤية 2030، وهي استراتيجية اقتصادية يسعى من خلالها إلى تنويع مصادر الدخل والثروة بعيداً عن العائدات النفطية، وهذا يعكس مدى اليأس والإحباط الذي تعانيه الأسرة المالكة من التسلط الأمريكي على ثروات البلاد، وأنها قد فقدت الأمل من عودة ثرواتها السيادية، وكذلك من أن يكون للدولة قرار سيادي تمنع فيه البيع بالدولار كما تمنع فيه ذهاب إيرادات النفط رأساً إلى البنوك الأمريكية.
إلا أن رؤية 2030 تبقى مشروعاً غير مكتمل وقد يتم الإعلان عن فشله قريباً لعدة أسباب، منها الحرب في منطقة الخليج ونتائجها الكارثية على الاقتصاد، إضافة إلى الصراع السعودي مع الإمارات، فالأخيرة ترى في رؤية 2030 تهديداً وجودياً لاقتصادها وتعمل منذ سنوات على تفكيك التهديد بطرقٍ ملتوية منها ضرب الاستقرار الأمني والاقتصادي للمملكة وإقحامها في صراعات داخلية وخارجية كانت في غنىً عنها.
وأمام تلك التحديات الكبيرة، والتي أثبتت أن استعادة السيادة على الاقتصاد هي الركيزة الأولى لبناء الاقتصاد، يجد محمد بن سلمان نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما الخضوع لسياسة الأمر الواقع والسماح بالانهيار التدريجي لاقتصاد المملكة، أو تأميم عائدات النفط وبيعه بعملته المحلية وبذلك سيتصدر الريال السعودي المركز الأول في العالم وتتنافس الدول والشعوب على اقتنائه وهذا سيحفز حتى القطاعات غير النفطية على العمل والازدهار، وسيرافق تلك القوة الاقتصادية قوة سياسية موازية لها تجعل من الدولة السعودية رقماً عالمياً يستحيل تجاوزه.
وهذا الاحتمال ضعيف جداً لأن النظام السعودي هش للغاية من الناحية الأمنية ولا يرى له مستقبلاً في المنطقة بلا الحماية الأمريكية، وهذا ما سبق وأكده ترامب صراحةً في أكثر من مناسبة كما تؤكده الاتفاقيات التريليونية مع ترامب نفسه رغم أنها لا تخدم الاقتصاد القومي للمملكة ولكنها تخدم بن سلمان بصورة شخصية وتضمن بقاءه في السلطة ولو على حساب كرامة الشعب والأمة الإسلامية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

