الجيش المصري.. ميليشيات للإيجار
السياسية || محمد محسن الجوهري*
قبل الجيش المصري، نجحت الأنظمة الخليجية في تحييد الكثير من المجموعات الفلسطينية المقاومة، مثل مجموعة "أبو نضال" التي انشقت عن حركة فتح عام 1974، وتحولت إلى عصابة قتل احترافية تمارس الإجرام من أجل الحصول على المال، وقد استمر التحييد حتى نجحت الأنظمة الخليجية في إقصاء حركة فتح بالكامل وضمها إلى معسكر التطبيع وتحويل قياداتها المناضلة سابقاً إلى مستشارين أمنيين وعسكريين في المؤسسات الخليجية.
وهذه السياسة المشرعنة للتطبيع لا تزال مستمرة، ومن آخر ضحاياها الجيش المصري الذي تحول بفعل المال الخليجي إلى حارس لثغور الكيان الصهيوني، وإلى مقاتل بالنيابة عن الجيوش العميلة في دول الخليج، وآخرها الإمارات، التي تعمدت قيادتها إحراج مصر وبث مشاهد لم يبثها الإعلام المصري عن زيارة الرئيس السيسي لمفرزة جوية تعمل على أراضيها.
ورغم أن الإعلام المصري يستميت في تبرير التدخل المصري بأنه لخدمة أهداف نبيلة، إلا أن الواقع يؤكد أن الجيش المصري بات في خندق واحد مع الجيش الصهيوني ضد محور الجهاد والمقاومة بقيادة الجمهورية الإسلامية، وهذا التحرك يتجاهل إرادة الشعب المصري الذي لطالما طالب بالتدخل لحماية المدنيين في غزة وقوبل ذلك بالرفض بحجة أن غزة ليست مصرية، وها هو الجيش المصري يقاتل في الإمارات رغماً عن أنف الشعب المصري ولصالح الكيان الصهيوني.
وهذا الارتهان العسكري للقرار الخليجي يؤكد استهانة القيادة المصرية بدماء أبنائها والاتجار بهم من أجل حماية مكاسب شخصية أهمها بقاء السيسي في السلطة حتى لو كلف الأمر ضرب العقيدة القتالية للجيش وتجريف إرثه التاريخي كدرع للأمة وتحويله إلى أداة وظيفية لتأمين عروشٍ ترى في الوجود الصهيوني ضمانةً لبقائها.
وبدلاً من أن تكون المساعدات الخليجية رافعةً للاقتصاد المصري، كما يصورها الإعلام الرسمي، تحولت إلى "قيد سياسي" يفرض على القاهرة القبول بدور "المرتزقة عالي الجودة" في صراعات إقليمية لا تخدم سوى المصالح الأمريكية-الصهيونية، مما أدى في نهاية المطاف إلى عزل المؤسسة العسكرية عن محيطها الشعبي الصامد، وإقحامها في تحالفات مشبوهة تستهدف تصفية ما تبقى من جيوب المقاومة في المنطقة، ليكون الجيش المصري بذلك قد خسر سيادته وتاريخه مقابل حفنة من الدولارات التي تذهب لجيوب النخبة الحاكمة بينما يرزح الشعب تحت وطأة الفقر والقمع.
ويبقى السؤال: ما حكم هذا التعاون من المنظور الديني والوطني في مصر؟
لقد نجحت عقود الاستعمار الإنجليزي في فصل مصر عن بيئتها الإسلامية بذريعة الوطن والوطنية، وكان ذلك مبرراً لتنكر المؤسسة الدينية في البلاد لمآسي الشعب الفلسطيني كون فلسطين قضية أرى خارج الحدود المصرية، إلا أن الارتماء في أحضان الإمارات وتحالفها الصهيوني ضد إيران يبقى في إطار القومية المصرية المصطنعة، ولا نستبعد أن يظهر البوق الأكبر، المدعو أحمد الطيب، ليفتي بالجهاد الإمارات فقد ثبت تورطه من قبل في الترويج للدين الإبراهيمي الذي أنتجته مطابخ الصهيونية.
والحال نفسه بالنسبة للنخب الدينية والثقافية المصرية، فمهما قدمت من أراء تستحق الاحترام إلا أنها سرعان ما ترتد عنها أمام الابتزاز الخليجي، فالمال سيد الموقف ولا صوت يعلو فوق صوت المصالح الفردية الضيقة وإن كانت مغلفة بأقنعة دينية ووطنية رخيصة يعرف حقيقتها الجميع، كما يعرفون أن الإمارات عدو للأمة الإسلامية كافة وأن الانخراط معها في أي تحرك إنما يخدم الجبهة الصهيونية المعادية للعرب ولمصر في المقام الأول.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

