سند الصيادي*

تكشف التطورات الأخيرة على الجبهة اللبنانية عن تحولات عميقة في طبيعة المواجهة القائمة، على مستوى إعادة صياغة قواعد الردع والتوازن السياسي في المنطقة، بعد أن انتقلت عمليات المُقاومة الإسلامية من نمط الاشتباك التقليدي المرتبط بإدارة التوتر الحدودي، إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على فرض معادلة ضغط استراتيجية تستهدف العمق الإسرائيلي سياسيًّا ونفسيًّا وأمنيًّا.

ومن إرسال الرسائل الموضعية المرتبطة بساحة الجنوب اللبناني، انتقلت المقاومة إلى تكريس معادلة مفادها أن أي تصعيد إسرائيلي لن يبقى محصورًا في نطاق جغرافي ضيق، وإنما ستكون له انعكاسات مباشرة على البنية الأمنية والعسكرية داخل كِيان الاحتلال نفسه، خُصُوصًا في شمال فلسطين المحتلّة.

الإقرار الصهيوني بوقوع أضرار داخل مواقع حساسة، حتى وإن جرى توصيفها بأنها “محدودة”، يحمل دلالاتٍ تتجاوزُ حجمَ الخسائر المباشرة، فالإقرار ذاتُه يعكسُ اهتزازَ صورة “الحماية المطلقة” التي سعى كيان الاحتلال طويلًا إلى ترسيخها لدى جمهوره الداخلي، ومؤشر على وجود اختراق نفسي ومعنوي في معادلة الردع التقليدية.

بات جليًّا أن المشهد الحالي برسم رجال المقاومة يوحي بأن المواجهة تمضي من حرب استنزاف حدودية، إلى صراع إرادات مفتوح، يعتمد على استنزاف الخصم سياسيًّا ونفسيًّا، فحزب الله يسعى، وفق هذا المنطق، إلى إظهار قدرته على فرض كلفة متزايدة على كيان الاحتلال، ليس فقط عبر الضغط العسكري، وإنما من خلال تعميق الإرباك داخل المؤسّسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.

والرسالة الأَسَاسية التي يحاول المقاومةُ تكريسها تتمثل في أن التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي لم يعد كافيًا لحسم المعركة أَو توفير حالة ردع مستقرة، خُصُوصًا في ظل قدرة المقاومة على تطوير أدواتها وأساليب عملها بما يفرض وقائع جديدة على الأرض.

ومن أهم أبعاد التصعيد الحالي تأثيره على الداخل المحتلّ، فمع اتساعِ نطاق الاستهداف وتزايد الحديث عن صعوبة تأمين المستوطنات الشمالية والقوات المنتشرة على الجبهة في آن واحد، تجد حكومة كِيان الاحتلال نفسها أمام معضلة سياسية وأمنية معقدة، فمن جهة، يزداد الضغط الداخلي للمطالبة بحسم المواجهة وإنهاء التهديدات المتصاعدة، ومن جهة أُخرى، تبدو كلفة التصعيد الشامل مرتفعة سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا، في ظل المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة متعددة الجبهات.

كما أن التحولات في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، والانتقال من سياسة التعتيم الكامل إلى الاعتراف الجزئي بالخسائر، يعكسان حالةً من القلق المتزايد داخلَ المستوطنين، خُصُوصًا مع تراجُعِ الثقة بقدرة المؤسّسة الأمنية على توفير الحماية الكاملة للجبهة الداخلية.

في المحصلة، يبدو أن حزبَ الله يسعى إلى تثبيت معادلة جديدة يمكن وصفُها بـ”العمق مقابل العمق”؛ أي إن أيَّ ضغط إسرائيلي على الجبهة اللبنانية سيقابِلُه ضغطٌ مباشِرٌ على العمق الإسرائيلي ومراكزه الحساسة.

هذه المعادلة تضعُ كيانَ الاحتلال أمام خيارات صعبة: إما القبول بواقع ردعي جديد تتراجعُ فيه حريةُ الحركة مقارنة بالمراحل السابقة، أَو الذهاب نحو تصعيد واسع يحملُ مخاطِرَ كبيرة وتكاليف يصعب التنبؤ بنتائجها.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوة، حَيثُ لم تعد المواجهة تقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل بقدرة كُـلّ طرف على فرض معادلات سياسية ونفسية تؤثر في حسابات الخصم وقراراته الاستراتيجية.

المشهد في عمليات المقاومة الإسلامية في لبنان لا ينفصل عن المشهد الإقليمي الأوسع، حَيثُ تتداخل ساحات التوتر في المنطقة ضمن سياق سياسي وأمني مترابط، وَجزء من معادلة إقليمية أوسع يصعُبُ عَزْلُها أَو احتواؤها بشكل منفرد، والحديثُ هنا عن معادلة “وَحدة الساحات”؛ باعتبَارها أحدَ أبرز التحولات التي أعادت تشكيلَ طبيعة الصراع في المنطقة خلالَ السنوات الأخيرة، كجغرافيا مترابطة ضمن محور ضغط متكامل تتداخل فيه الجبهات وتتقاطع فيه الرسائل الاستراتيجية.

ومن هنا، فإن الحضورَ اليمنيَّ المتصاعِدَ في معادلة الردع الإقليمية يضيفُ بُعدًا جديدًا إلى حساباتِ المواجهة، خُصُوصًا مع ما تؤكّـدُه القيادةُ الثورية والسياسية بشكل متكرّرٍ من جاهزية واستعداد للانخراط في أي تصعيد يرتبطُ بالقضية الفلسطينية أَو يستهدفُ قوى المقاومة في المنطقة، بعد أن أظهرت التطوراتُ الأخيرة أن اليمن باتت أكبر من ساحة داعمة سياسيًّا إلى طرف فاعل يمتلك أدوات تأثير مباشرة على معادلات الأمن الإقليمي وخطوط الملاحة والتوازنات الاستراتيجية.

وبذلك، فإن أيةَ قراءة للمشهد الحالي يجب أن تكونَ مرتبطةً بإمْكَانية اتساع دائرة الاشتباك على مستوى الإقليم بأكمله، في ظل تزايد التنسيق بين قوى محور المقاومة، وتنامي القناعة بأن أية مواجهة مقبلة لن تكون محصورة بجبهة واحدة، وإنما ضمن مشهد إقليمي مفتوح تتداخل فيه الساحات وتتوحّد فيه الأولويات السياسية والاستراتيجية.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت