قانون إعدام الأسرى ... عنصرية صهيونية تُكرّس جريمة الاستهداف الوجودي للفلسطينيين
السياسية - تقرير //
أقر العدو الإسرائيلي عبر ما يسمى "الكنيست" في 30 مارس الماضي قانونا يسمح بتطبيق عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين فقط؛ وهو قانون يقوم على التمييز العنصري، ويمثل انتهاكا صارخا لحق الفلسطينيين في الحياة وتحديًا لمضامين القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني؛ ويندرج ضمن مخطط إسرائيلي يستهدف الوجود الفلسطيني.
وينص القانون على تنفيذ حكم الإعدام شنقا بحق أسرى يدّعي العدو الإسرائيلي، أنهم "نفذوا أو خططوا لهجمات أسفرت عن مقتل إسرائيليين" ، وهو ما يدل بوضوح على عنصرية القانون واستهدافه بالموت للأسرى الفلسطينيين.
ويقضي بتنفيذ حكم الإعدام من جانب حراس تُعينهم مصلحة السجون، مع منح المنفذين سرية الهوية وحصانة قانونية.
والقانون يسمح بإصدار حكم الإعدام دون الحاجة إلى طلب من النيابة العامة، ولا يشترط الإجماع في القرار، إذ يمكن اتخاذه بأغلبية بسيطة، وذلك في مخالفة لجميع التشريعات والقوانين والمواثيق والأعراف الدولية ذات الصلة.
وتشير كل المعطيات السابقة إلى أن القانون يعد انتهاكا صريحا وواضحا لمبادئ القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي ووثيقة المبادئ العالمية لحقوق الإنسان، كما تشير إلى نزعته العنصرية الواضحة، مما يعزز من القول إنه جاء استكمالا لجريمة الإبادة الجماعية التي يرتكبها العدو الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، لكن هذه المرة من خلال تشريع قانون يمنح جرائمهم مشروعية لديهم؛ وإن كانون قبل إصدار القانون لم تتوقف جرائم التعذيب والتجويع والقتل الاسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين على امتداد العقود الماضية من الاحتلال.
كما تبدو في القانون النزعة الاحتلالية القائمة على تجريد الإنسان في البلد المحتل (وهو صاحب الحق) من إنسانيته وتمييز البديل القائم بالاحتلال (وهو من لا يملك الحق) عنه، وقد ظهرت هذه النزعة في وصف عدد من مسؤولي العدو الإسرائيلي للفلسطينيين بـ"الحيوانات".
ولم يقتصر الجدل على مضمون القانون، بل امتد إلى المشهد الذي رافق إقراره، إذ سادت أجواء احتفالية داخل "الكنيست"، بعد أن فتح المجرم بن غفير زجاجة شمبانيا تعبيراً عن فرحه عقب إقرار القانون، فيما تبادل عدد من أعضاء "الكنيست" التهاني، في مشهد اعتبره مراقبون لافتاً بالنظر إلى ارتباط القانون بعقوبة تمسّ الحق في الحياة.
تكريس للتمييز العنصري
وفي سياق الموقف الأممي، طالبت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري في ختام دورتها ال117، سلطات الكيان الإسرائيلي بإلغاء "فوري" للقانون.
واعتبرت اللجنة في بيان، هذا القانون "تكريسا للتمييز العنصري وانتهاكا لحقوق الإنسان".
وتواصل سلطات الكيان الإسرائيلي احتفائها بهذا القانون في موقف يسير عكس الطبيعة البشرية، حيث كان آخر مظاهر هذا الاحتفال هو تقديم زوجة مجرم الحرب المتطرف إيتمار بن غفير كعكة مرسوم عليها "حبل مشنقة" بمناسبة يوم ميلاده.
ويقبع في سجون العدو الإسرائيلي أكثر من 9600 فلسطيني، بينهم 350 طفلا و87 امرأة، ويعانون تعذيبا وتجويعا وإهمالا طبيا، ما أدى إلى مقتل عشرات منهم، وفقا لمنظمات حقوقية فلسطينية.
تحول خطير في مسار "الصراع"
وفي هذا، يرى الكاتب إريك لويس، في مقال بصحيفة (إندبندنت)، أن المشكلة في هذا القانون لا تتعلق فقط بعودة عقوبة الإعدام، بل بطبيعة تطبيقها الانتقائية، إذ صيغ القانون بطريقة تجعله عمليًا موجها ضد الفلسطينيين وحدهم، سواء من خلال تعريفات قانونية ضيقة أو عبر منظومة المحاكم العسكرية (للعدو الإسرائيلي) التي يحاكم فيها الفلسطينيون دون غيرهم.
وفي المقابل، لا يواجه "الإسرائيليون" حتى في حالات قتل الفلسطينيين، العقوبة نفسها، مما يخلق - وفق الكاتب - نظاما قانونيا مزدوجا قائما على الهوية.
ويرى لويس أن هذا القانون قد يسهم في خلق حالة من المقاومة الفلسطينية ويزيد من دوافعها.
القانون يحوّل العقوبة إلى جريمة قتل
ويرى آخرون فيما سبق تأكيدا واضحا على عنصرية هذا القانون، وهو ما يمكن اعتباره دليلا إضافيا على وحشية هذا العدو. فالتمييز العنصري يمثل توحشا باعتباره يتجاوز كل قيم الانسان، بل يمثل تعديا قاسيا عليها، إن لم يكن هدما لها.
وفي هذا يقول مدير مركز عدالة الحقوقي، المحامي د. حسن جبارين ، إن القانون يشكّل سابقة غير معهودة في العصر الحديث، موضحاً أنه "أول قانون يفرض عقوبة الإعدام على أساس عرقي، بحيث يُطبّق فقط على الفلسطينيين".
وأضاف في حديث خاص لـقناة TRT عربي ، أن هذا الطابع يفرغ القانون من معناه القانوني التقليدي، قائلاً: "عقوبة الإعدام هي مصطلح قانوني معروف، لكن إذا كانت قائمة على أساس عنصري، فهي تتحول من عقوبة إلى جريمة قتل، وبالتالي نحن أمام قانون لقتل الفلسطينيين".
وشدد جبارين على أن "القوانين التي تنص على عقوبة الإعدام في دول أخرى تُطبّق على جميع المواطنين دون تمييز، بينما يتميّز هذا القانون بكونه موجّهًا ضد فئة قومية بعينها".
وأشار إلى أن الكيان الإسرائيلي، رغم وجود قوانين عنصرية في السابق، لم يصل إلى هذا المستوى، معتبراً أن القانون الجديد يمسّ بشكل مباشر الحقَّ في الحياة، وهو ما يجعله أخطر من تشريعات سابقة.
كما لفت إلى أن "المشهد الذي رافق إقرار القانون داخل الكنيست غير مسبوق"، مضيفاً أن "التصويت على قوانين تتعلق بحياة البشر يتم عادة في أجواء "خشوع ومسؤولية"، في حين رافق هذا القانون طابع احتفالي".
وعلى المستوى الدولي، اعتبر جبارين أن القانون يتعارض مع مبادئ القانون الدولي، وقد يندرج ضمن جرائم الفصل العنصري، ما قد يفتح المجال لملاحقات أمام المحكمة الجنائية الدولية.
دلائل عنصرية القانون
وفي ذات الاتجاه، قال الباحث الحاج محمد الناسك، إن هذا القانون جاء بعد أن أدرك الكيان المحتل فشله في القضاء على المقاومة رغم توسله بشتى أساليب التعذيب والتنكيل والاغتصاب والحرمان التي تؤدي إلى الوفاة.
ويتحدث الباحث عن دلائل عنصرية القانون، قائلا إن القانون يُقدِّم ثلاثة بنود جديدة تُشير إلى نية تطبيق عقوبة الإعدام على الفلسطينيين؛ أولًا: تُجيز صياغة مشروع القانون تطبيق عقوبة الإعدام على الأفراد المُدانين بقتل إسرائيليين لأسباب "قومية أو عنصرية".. ثانيًا: بما أنه ينطبق على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة فإنه يمنح المحاكم العسكرية الإسرائيلية، وهي الجهة التي تُصدر أحكامًا جزائية ضد الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال، سُلطةَ إعدامهم. ثالثًا: يُجيز إصدار حكم الإعدام بأغلبية بسيطة من القضاة، وليس بالإجماع.
ذروة "الهندسة التشريعية" الإجرامية
ويعتبر الباحث، أن مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يُمثِّل ذروة "الهندسة التشريعية" الإجرامية التي تنتهجها منظومة الاحتلال؛ إذ يهدف المقترح بشكل مباشر إلى توسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام لتشمل القضايا المرتبطة بالفلسطينيين حصرًا، وتحديدًا الأسرى والمعتقلين.
ويهدف القانون، وفق الناسك، إلى تغيير شروط فرض العقوبة من "الإجماع" بين القضاة (كما كان متبعًا سابقًا لمنع الأخطاء القضائية) إلى "الأغلبية" فقط؛ وهي خطوة إستراتيجية تهدف إلى تجاوز أي تردد أو "تحفظ قضائي" قد يبديه بعض القضاة في المحاكم العسكرية.
ويضيف أن "القانون يمنع أي إمكانية لتخفيف العقوبة أو تقليصها بعد صدور حكم نهائي؛ مما يجعل العقوبة قطعية وغير قابلة للمراجعة".
ويشرعن القانون استثناءً عنصريًّا واضحًا؛ حيث يُطبَّق على الفلسطينيين حصرًا ويستثني المستوطنين واليهود قانونيًّا، حتى في حال ارتكابهم جرائم قتل مماثلة ضد الفلسطينيين.
انتهاك القانون الدولي واتفاقيات جنيف
ورغم أن العدو الإسرائيلي لا يكترث كثيرا بالقوانين والتشريعات الدولية بل وعلى العكس فإنه يضرب بها عرض الحائط في كل سلوكياته الإجرامية ، إلا أن خبراء يرون أن القانون يشكّل انتهاكًا للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، في ظل مخاوف من غياب معايير المحاكمة العادلة، ما قد يفتح الباب إمام تحركات قانونية دولية.
وفي هذا السياق، قال مدير مركز "حريات" للدفاع عن الأسرى، حلمي الأعرج، إن التشريع قد يعرّض الكيان الإسرائيلي لمزيد من الضغوط والمساءلة أمام المؤسسات الحقوقية الدولية.
ودعا الأعرج، إلى تحرك فلسطيني شامل لمواجهة القانون، يشمل توحيد الجهود على المستويات الرسمية والشعبية، وتفعيل المسارات القانونية الدولية، إلى جانب تحركات دبلوماسية في المحافل الدولية.
تداعيات خطيرة
نخلص إلى أنه هذا القانون يندرج ضمن منظومة أوسع من السياسات الرامية لتكريس السيطرة الاستعمارية وسياسات الفصل العنصري والانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، إذ يستهدف إخضاع الأسير الفلسطيني لمحاكمة عسكرية دون ضمانات إجرائية، وتسريع في تنفيذ حكم الإعدام بصورة شبه الزامية، في الوقت الذي نظمت فيه اتفاقية جنيف الرابعة، التي اعتبرت الأراضي الفلسطينية المحلية خاضعة لنظام قانوني خاص، هو نظام الاحتلال الحربي، الذي يُلزم دولة الاحتلال باحترام وحماية السكان المدنيين الواقعين تحت سيطرتها، ولا يجوز لها أن تفرض إلا القوانين الضرورية للحفاظ على الأمن، علاوة على تعارض القانون مع كافة المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية دون استثناء، ويعد انتهاكا صارخا لمبدأ الحق في الحياة.
مما سبق يندرج القانون في سياق مخططات العدو الإسرائيلي في استهدافه المباشر للفلسطينيين، مستكملًا بذلك جريمته الممتدة على كافة أنحاء جغرافيا فلسطين، مما يجعل المراقب يستشعر المرحلة الخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وما يواجهها اليوم من تحديات وجودية على إثر سياسات حكومة الاحتلال المتطرفة القائمة على خطة حسم الصراع التي تبنتها بشكل رسمي مع بدء العام 2023، حيث السعي للتطهير العرقي للسكان الفلسطينيين على كامل خارطة فلسطين التاريخية، والشروع بتنفيذ مخططات هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم في مكانه، بموازاة ما يُمارسه العدو الإسرائيلي من سياسات لإخضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال لظروف قاهرة تهدد حياتهم؛ كان آخرها إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تعديل تشريعي داخلي ، بل باعتباره إجراء يصاحبه تداعيات خطيرة على المستوى الدولي، ويندرج ضمن منظومة أوسع من السياسات الرامية إلى تكريس السيطرة الاستعمارية وسياسات الفصل العنصري، وإضفاء طابع قانوني على ممارسات تنتهك بشكل جسيم قواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني.
سبأ

