ما بعد اليمن وإيران: سباق سعودي إماراتي نحو "رضا ترامب والصهاينه"
نبيل الجمل*
يكشف المشهد السياسي الراهن في منطقة الجزيرة العربية عن تصدع استراتيجي عميق تجاوز مراحل التباين العابر، ليصل إلى مرحلة "الطلاق الجيوسياسي" بين الرياض وأبوظبي. هذا الانفجار في العلاقات لم يكن وليد الصدفة، بل هو الثمرة المرة لسلسلة من الإخفاقات الميدانية والسياسية التي منيت بها الدولتان، وعلى رأسها الهزيمة المدوية في اليمن أمام صلابة وقوة حكومة صنعاء، وفشل الرهانات المشتركة في كسر شوكة محور المقاومة الممتد من طهران إلى بيروت وغزة وبغداد.
إن المتأمل في طبيعة هذا الصراع يجد أنه صراع على "فتات النفوذ" بعد أن تكسرت أحلام التوسع العسكري. فالسعودية، التي تحاول اليوم لملمة أوراقها والبحث عن مخارج سياسية في اليمن تضمن لها الحد الأدنى من أمن حدودها، تجد نفسها في مواجهة طموحات إماراتية تتركز على السيطرة على الموانئ والممرات المائية والجزر اليمنية الاستراتيجية عبر دعم حركات انفصالية وتخريبية. هذا التضارب في الأجندات يعكس حالة التخبط بعد أن أثبتت القوات المسلحة اليمنية في صنعاء عجز الآلة العسكرية المدعومة أمريكياً وصهيونياً عن تحقيق أي نصر حقيقي، مما دفع الحليفين اللدودين إلى توجيه نصالهم نحو بعضهم البعض.
أما في مضمار العمالة والارتهان للمشروع الصهيوني-الأمريكي، فقد تحول المشهد إلى سباق محموم نحو من يقدم التنازلات الأكبر. الإمارات، التي سارعت للتطبيع العلني، تحاول تثبيت نفسها كوكيل حصري للمصالح الصهيونية في المنطقة، بينما تسعى السعودية لموازنة هذا النفوذ عبر تقديم أوراق اعتمادها لتعزيز الحماية الأمريكية، خاصة مع عودة ترامب والحديث عن "ثمن الحماية". هذا التسابق ليس من أجل قضايا الأمة، بل هو هروب للأمام من استحقاقات الفشل في مواجهة محور المقاومة الذي استطاع فرض معادلات ردع جديدة في فلسطين ولبنان، محطماً أسطورة التفوق التكنولوجي والعسكري الذي كان يراهن عليه حكام الخليج.
ويأتي انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك" في مطلع مايو 2026 ليمثل "الزلزال الاقتصادي" الذي أطاح بآخر برقع للحياء السياسي بين البلدين. هذا القرار ليس مجرد خلاف فني على حصص الإنتاج، بل هو إعلان حرب اقتصادية صريحة؛ حيث تسعى أبوظبي لتعظيم عوائدها النفطية لتمويل مشاريعها التوسعية، في حين تحاول الرياض الحفاظ على سطوتها كقائد للسوق النفطية لتأمين تمويل رؤيتها الداخلية. الرد السعودي السريع بعقد اجتماع "أوبك بلس" بغياب الإمارات يؤكد أن العلاقة دخلت نفق "كسر العظم".
يمتد هذا الصراع ليشمل الساحة السودانية، حيث تحول البلد إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الرياض وأبوظبي، وكل منهما يدعم أطرافاً متناحرة لضمان موطئ قدم جغرافي واقتصادي يرضي الأسياد في واشنطن وتل أبيب. إن حالة "فك الارتباط الاستراتيجي" التي نشهدها اليوم، والمترافقة مع حملات إعلامية متبادلة تتهم كل طرف الآخر بـ "الخيانة"، هي النتيجة الطبيعية لكل نظام يربط مصيره بمشاريع استعمارية فاشلة. لقد أثبتت أحداث المنطقة أن القوة الحقيقية تكمن في خيارات الشعوب والمقاومة، وأن التحالفات المبنية على التبعية والعمالة مآلها الانهيار والتصادم بمجرد أول هزيمة ميدانية، وهو ما تجسده اليوم حالة التمزق بين الرياض وأبوظبي في أعقاب ملحمة الصمود اليمني وانتصارات محور المقاومة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

