من التكريم إلى القمع.. مأساة اللاجئ الفلسطيني في سورية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
من معالم الهيمنة الصهيونية على النظام التكفيري في سورية هي الاضطهاد الواسع للاجئين الفلسطينيين في البلاد، فبعد سبعة عقود من الاستقرار والتعايش مع الشعب السوري، تبدلت الأوضاع فجأة لصالح أدوات تل أبيب وكان من الطبيعي أن يشمل القمع كل أعدائها هناك وأولهم الفلسطينيون في المنفى.
قبل سقوط الدولة السورية أواخر العام 2024، كان المعارضون لها يتحدثون عن مزايدة آل الأسد بالقضية الفلسطينية، وأن كل ما قدمه الرئيسان حافظ وبشار للسوريين، قضيةً ولاجئين، كان من أجل إضفاء شرعية أخلاقية لنظامهم القمعي على حد وصفهم، ولكن كل ذلك لا ينفي أن الفلسطينيين في سورية عاشوا مرحلة من التكريم والمساواة مع المواطن السوري نفسه، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة في كل تفاصيل السياسة السورية، بخلاف ما كان يحدث في الدول الأخرى المجاورة لفلسطين والتي سارعت للتطبيع والخيانة وبالتالي قمع النازح الفلسطيني.
ثبات الدولة السورية في نصرتها لفلسطين كان السبب الرئيس وراء التمرد عليها ابتداءً من العام 2011، وهذا ما تؤكده الوقائع بأن المتمردين كانوا صهاينة بامتياز، إضافة إلى تصريحات الرئيس الأسبق لحكومة الكيان "إيهود أولمرت" والتي أكد فيها أن الثورة على النظام ما كانت لتحدث لو قبل الأسد بالمقترح التركي للتطبيع سنة 2008، أي أن الرئيس الأسد والشعب السوري دفعوا ثمن الكرامة ونصرة فلسطين من دمائهم ولقمة عيشهم على مدى عقد ونصف، وهذا موقف يستحق الاحترام والتبجيل خاصةً أن الأسد فعل كل ذلك بدوافع قومية خالصة، فكيف لو أن لديه مشروعاً تحررياً يناهض الكيان بدوافع إسلامية.
وبعد سقوط الأسد والدولة السورية، لم يستطع الحكام الجدد إخفاء صهيونيتهم من اليوم الأول، فاليوم الذي سقطت فيه دمشق في 8 ديسمبر 2024، كان اليوم الذي قصفها العدو الصهيوني بنحو ألفي غارة استهدفت كل المرافق السيادية والعسكرية بما فيها مخازن السلاح، وأردفت إسرائيل القصف بتقارير إعلامية من الميدان اقتحم فيها مراسلوها كل المواقع المستهدفة والبث من داخلها للتأكيد على الانتصار الصهيوني الساحق على الشعب السوري وثوابته القومية.
وقد صرح أحمد الشرع، القائد الليبرالي الحالي لسورية، الجولاني سابقاً، أن بلاده ليست نداً للكيان وبالتالي لن تدخل معها في أي صراع، تاركاً الحدود السورية مفتوحة كلياً أمام الجيش الصهيوني ليقتل وينتهك ويفعل ما يشاء، رغم أن تلك المناطق المفتوحة حالياً كانت مكتظة بالتكفيريين قبل سقوط دمشق، وكانوا يمارسون أبشع الجرائم من قتل وتفجيرات وغيرها، لكنهم تبخروا تلقائياً أمام العدو الحقيقي للعرب والمسلمين.
وبالعودة للوضع الفلسطيني في سورية، فالإعلام الرسمي ونشطاء الشرع الموالون لقطر، يمارسون نفس الدور الذي يمارسه اليمين المسيحي في لبنان ضد الفلسطينيين، ونسوا حتى مأساتهم في النزوح وحجم المعاناة التي لاقوها من المتنمرين من أمثال جعجع وغيره في لبنان وغير لبنان، ولكن هكذا تكون العقلية الفوضوية التي ثارت من أجل الفتنة وليس من أجل قضية أو مظلومية حقيقية.
وكما يقول الكاتب الفلسطيني خالد عطية: "بأن الدولة السورية الجديدة تشكلت على أساس الثأر السياسي والهويات المغلقة وإعادة توزيع الكراهية، وأن الفلسطينيين هم أوائل من يدفع الثمن".
وبالفعل، فإن الفلسطينيين في سورية مجرد أقلية، ونظام التكفيريين مغرم بقمع الأقليات حتى لو كانت سورية، وقد رأينا ما فعل بالعلويين في الساحل وبالدروز في السويداء، رغم أن الدروز كانوا شركاء في التمرد على الأسد وسبباً رئيسياً في إسقاط الدولة السورية وكان المفترض أن يكونوا شركاء في السلطة سيما وأن الشرع قد خلع عباءة الدين وارتدى زي الوطنية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

