تكتيكات المقاومة ومُحلّقاتها تُجبر العدو على البحث عن طوْق نجاة
لطيفة الحسيني*
مع استمرار معركة "العصف المأكول"، تتكشّف ملامح مرحلة عملياتية جديدة في طبيعة الاشتباك، حيث باتت المواجهة تتجاوز حدود الاحتكاك التقليدي لتطاول بُنية انتشار العدو، جاهزيته القتالية، وأنماط حشده وتخطيطه العسكري في الجبهة الشمالية.
استعداد المقاومين للمعركة صدَم العدو الذي عبّر عن ذلك بصراحة عبر منابره المُتفرّقة، متحدّثًا عن ذهولٍ حقيقي جراء وضعية حزب الله بعد حرب 2024. رغم البرامج والسيناريوهات العسكرية والتدابير الميدانية التي اتخذها "الاسرائيلي"، فإن المقاومة تمكّنت من قطف هذا الإنجاز المهمّ في المعركة إلى الآن.
القتال الراهن في لبنان من جانب العدو تدرّج مرحلةً تلو المرحلة. وفي كلّ المراحل، كان الركون الأساس لدى الجيش "الإسرائيلي" لسلاح الجو، وليس لقواته البرية. في البداية، أفرغ بنك أهداف مزعوم في حملة جوية مكثّفة توسّعت من الجنوب (جنوب وشمال الليطاني على نحو متساوٍٍ) إلى بيروت والبقاع الأوسط والغربي والشمالي. في كلّ هذه الضربات، كان العدو يُبرّر بالقول، إنه قصف بنى تحتية أو منصّات للمقاومة، للتغطية على حجم الدمار والشهداء الذين يرتقون.
المقاومة تفرض معادلاتها
في المقابل، كان المقاومون يُسطّرون معادلاتهم. يمنعون فرض أمر احتلال واقع. الصواريخ النوعية والعمليات المركّبة والمتزامنة والعبوات المتفجّرة كانت عنوان العمل العسكري للمقاومة. هذا الأداء توقّف عنده كتّاب العدو البارزون باكرًا، والذين رأوا أنه مهما طالت الحرب الحالية لن يستطيع الجيش "الإسرائيلي" القضاء على حزب الله وسلاحه، ولن يتمكّن من إعادة الأمن الى مستوطني الشمال، في ظلّ استمرار تهديد الصواريخ الموجّهة إليهم وتكرار سيناريو الحزام الأمني في جنوب لبنان.
المحلّقات وكابوسها
أكثر العناوين التي أصبحت اليوم هاجسًا ثابتًا لدى أوساط العدو هي المُحلّقات. تهديد الشمال بكُلفة مُنخفضة واستمرار الاستنزاف بلا أفق. بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ظهور الطائرات المسيّرة المزوّدة بالألياف الضوئية، المستوحاة من ساحات معارك مثل أوكرانيا، يغيّر قواعد اللعبة في الساحة الشمالية، ويجسّد الانتقال إلى عصر باتت فيه وسائل بسيطة وغير مُكلفة قادرة على تحدّي حتى الأنظمة المتطوّرة.
الإسكافي حافٍ
يختصر العميد احتياط القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي في "إسرائيل" تسفيكا حايموفيتش مواجهة العدو لتحدي المحلّقات، فيقول إن "إسرائيل" تُعَدُّ قوة كبرى في مجال حلول الطائرات المُسيَّرة، ويا للأسف أحيانًا "يكون الإسكافي حافيًا"، ويرى أن "وضع قوات الجيش "الإسرائيلي" في الميدان يزداد سوءًا، خاصة أنّ معظم القوات ثابتة في مواقعها والعدو (المقاومة) متغلغل في المنطقة، يعرفها جيدًا ويستغلّها بشكل فعّال".
"هآرتس" بَنَت على نتائج الميدان التي ترِد حتى الآن وفق شهادات الجنود والمقاتلين، فاستنتجت أن "لا حلّ في المدى المنظور لتحدي المحلّقات الصغيرة والمتفجرة"، واستصرحت ضابطًا صهيونيًا رفيعًا لتأكيد هذه الخلاصة، إذ قال "لا يوجد اليوم حلٌّ واحد يوفّر ردًا كاملًا.. المواجهة تعتمد على مزيج من الانضباط العملياتي، وتحسين قدرات الرصد والاعتراض، وجهد استخباري لضرب سلسلة تشغيل المحلّقات، إلّا أن الفجوة في الميدان تبرز بين الاعتراف بالتهديد وبين الرد عليه".
إخفاق إستراتيجي أوسع
يوآف ليمور في صحيفة "إسرائيل هيوم" تحدّث عن تحوُّل الكمين الذي كان مخطّطًا لحزب الله إلى كمين لـ"إسرائيل" نفسها، مشيرًا الى أن التطورات الحالية تستحضر مشاهد الانسحاب "الإسرائيلي" من جنوب لبنان عام 2000، وما رافقه من انهيار "الحزام الأمني"، واعتبر أن الفشل التكتيكي في مواجهة الطائرات المُسيّرة يتزامن مع إخفاق إستراتيجي أوسع.
حزب الله مرتاح
إليشع بن كيمون في صحيفة "يديعوت أحرنوت" توصّل إلى أن حزب الله يزرع العبوات الناسفة، ويُطلق الصواريخ على التجمّعات الشمالية وعلى القوات المناورة، ويُشغّل طائرات مسيّرة هجومية، وهذا يعني أن حزب الله يخوض المعارك بوتيرة مريحة له، مركزًا هجماته، وبالتالي يخلق قدرة استنزاف".
فخٌّ إستراتيجي
وترتفع أصوات الانتقادات للمؤسسة الأمنية نظرًا لاستخدام حزب الله الواسع للطائرات المسيّرة المتفجرة في جنوب لبنان، والتقديرات ترى في هذا التفاقم واقعًا لا يمكن استيعابه. ولهذا، اعترف الجيش "الإسرائيلي" بأن قواته تعيش "فخًا إستراتيجيًا" في أعقاب التهديد المتزايد لمحلّقات حزب الله، ولا سيّما أن هناك حالة إحباط داخل الجيش نتيجة غياب حلّ لهذه المعضلة.
حلولٌ مُرتجلة
هذا المأزق دفع الجيش "الإسرائيلي" إلى البحث عن طرقٍ للنجاة والتخلّص من هذه الورطة، وخصوصًا بعد أضحت مسيّرات حزب الله كابوس المستوطنين في الشمال والجنود في الميدان على حدّ سواء. وعليه، يركّز العدو على فكرة عدم الانكشاف أمام حزب الله والتخفيف من انتشار جنوده وحتى اعتماد أسلوب بدائي لاستطلاع السماء قبل أيّ تحرّك على الأرض، عبر إرسال أحد المقاتلين للنظر الى السماء. هذا إلى جانب اتخاذ إجراءات ميدانية توصف بالمُرتجلة، كنشر شبكات فوق المواقع العسكرية لاعتراض المسيّرات، والاكتفاء باليقظة وإطلاق النار عند الرصد، والأهمّ تقليص عدد القوات في لبنان، عبر نقل لواء المظليين إلى قطاع غزة، ولواء "ناحال" إلى الضفة الغربية وسحب "لواء الكوماندوس"، في حين أوعز رئيس الأركان إيال زامير إلى سلاح الجو باستهداف سلسلة إنتاج وتوريد الطائرات المسيّرة الانتحارية لحزب الله، كما جاء في إعلام العدو.
إحباطٌ متفشٍ و"تحررٌ من القيود"
يرى مراقبون أن هذه الخطوات لا تُعبّر سوى عن ضعف في مقاربة التهديد المتمثّل بالمحلّقات المتفجّرة. المشهد يقول إن المقاومة حقّقت نقاطًا في ميزان المعركة، مع اعتراف العدو بالعجز أمام اختبار المحلّقات التي يصفها بالمتواضعة والرخيصة، مع انتشار الإحباط في صفوف الجنود والمقاتلين على الأرض، ونقاش المسؤولين العسكرييين في الجيش جديًا لمُعضلة انهيار "القيم" في المؤسسة العسكرية، وفقدان سيطرة قيادته على تصرّفات عناصره.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب ـ موقع العهد

