شباك ممزقة وأحلام غارقة.. صيادو غزة يواجهون الموت يومياً بحثاً عن الرزق
السياسية - وكالات:
مع بزوغ فجر كل يوم، يودّع صيادو قطاع غزة عائلاتهم على عجل، لا يحملون معهم سوى شباك ممزقة وأملٍ هش بالعودة سالمين. البحر الذي كان يوماً مصدر رزقهم وأمانهم، تحوّل اليوم إلى ساحة خوف مفتوحة، تُطاردهم فيها الزوارق الحربية الصهيونية، وتجعل من رحلات الصيد القصيرة مغامرة محفوفة بالموت.
يعيش الصيادون في قطاع غزة ظروفاً بالغة القسوة، حيث بات الخروج إلى البحر مخاطرة حقيقية تهدد حياتهم ومصدر رزقهم الوحيد، في ظل الاستهداف المستمر من قبل بحرية العدو الإسرائيلي.
فحتى المسافات القليلة التي لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار لم تعد آمنة، وتحولت إلى مسرح للمطاردة وإطلاق النار ومصادرة المعدات.
يقول الصياد رامي الجمال، وملامح القلق لا تفارق وجهه لـ“فلسطين الآن”: “نخرج يومياً إلى البحر ولا نعلم إن كنا سنعود إلى بيوتنا وأطفالنا. الزوارق الحربية تطاردنا باستمرار وتطلق علينا النار بكثافة، وأحياناً يصادرون شباكنا ويدمرونها. إنها رحلة لقمة عيش مغمسة بالخوف والدم”.
ويضيف الجمال، أن الصيادين يبحرون لمسافات قصيرة لا تتجاوز 500 متر، ومع ذلك يتعرضون لملاحقات متواصلة، ما يضطرهم إلى مغادرة البحر سريعاً تحت وابل من الرصاص والقذائف.
وأشار إلى أن اعتداءات العدو الإسرائيلي المتواصلة منذ إعلان وقف إطلاق النار أسفرت عن استشهاد عدد من الصيادين، إضافة إلى وقوع حوادث غرق نتيجة انقلاب مراكب صغيرة أثناء محاولتهم العمل في ظروف شديدة الخطورة.
ولم تتوقف المعاناة عند حدود الاستهداف المباشر، إذ لفت الجمال إلى أن بحرية العدو الإسرائيلي اعتقلت العديد من الصيادين، في إطار سياسة تضييق ممنهجة تهدف إلى منعهم من ممارسة مهنتهم وحرمان عائلاتهم من مصدر رزقهم الأساسي.
من جهته، أكد الصياد محمد أبو عبدو أن قطاع الصيد في غزة بات عاجزاً عن تلبية احتياجات السوق المحلي.
وقال إن عدداً محدوداً من القوارب الصغيرة يخرج يومياً من حوض الميناء، لينتج كميات قليلة من الأسماك لا تغطي سوى نحو 5% من الطلب المحلي.
وأضاف أبو عبدو أن هذا التراجع الحاد انعكس بشكل مباشر على الأسعار، حيث ارتفع سعر كيلو السمك من 20 إلى 25 شيكلاً في السابق، ليصل اليوم إلى ما بين 300 و400 شيكل، وهو ما يفوق قدرة معظم المواطنين في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.
وأشار إلى أن قوات العدو الإسرائيلي، ومنذ اللحظات الأولى للحرب، نفذت عمليات قصف ممنهجة استهدفت مراسي ومراكب الصيادين عبر الزوارق والطائرات الحربية، ما أدى إلى تدمير نحو 95% من ممتلكات الصيادين.
وفي السياق ذاته، تشير تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن الصيادين الفلسطينيين يتعرضون بشكل متكرر لإطلاق النار والاعتقال ومصادرة القوارب، حتى في المناطق التي يُفترض أنها مخصصة لهم للصيد.
وتبين هذه التقارير أن الاستهداف الممنهج أدى إلى تراجع حاد في قطاع الصيد البحري، الذي كان يوماً أحد أبرز مصادر الأمن الغذائي في غزة، ليصبح اليوم مصدراً للفقر والمعاناة لآلاف العائلات.
ويُعد الصيد البحري أحد القطاعات الاقتصادية المهمة التي تضررت بشدة بفعل الحرب والحصار الصهيوني، حيث فُرضت قيود مشددة على مناطق الصيد، ومنعت إدخال معدات الصيانة والمواد اللازمة لإصلاح القوارب، ما فاقم من حالة التدهور.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع لا يهدد سبل عيش الصيادين فحسب، بل يضعف قدرة القطاع المحاصر على تأمين الغذاء لسكانه، الذين يواجهون بالفعل ظروفاً إنسانية كارثية.
وفي ظل هذا الواقع القاسي، يبقى صيادو غزة عالقين بين بحرٍ محاصر وحياةٍ بلا بدائل، يخرجون كل يوم مدفوعين بالحاجة لا بالأمل، ويعودون محمّلين بالخوف أو الخسارة، إن عادوا.
ومع استمرار الاستهداف والحصار الصهيوني، تتآكل واحدة من أقدم المهن في القطاع، ويتسع نطاق الفقر والجوع، في وقت يواصل فيه الصيادون معركتهم اليومية من أجل البقاء، متمسكين بحقهم في العمل والحياة، في بحرٍ لم يعد مفتوحاً إلا على الألم.

