جاء طوفان الأقصى؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
للكون هذا سنن إلهية يتحرك وفقها، وليس أمام البشر إلا التحرك بين طريقين: طريق الحق وطريق الباطل، وحتى اليوم لم تستطع البشرية -بكل تاريخها- استحداث منطق وسطي بين الحق والباطل، وفي هذا المضمار تندرج كل مواقفنا وأفعالنا سواء كانت كبيرة أو كانت متناهية في الصغر، وكل ذلك قد تحدث عنه القرآن الكريم طويلاً، حيث رسم الله لنا مسار الحق وأوضح لنا الصراط المستقيم وأهل الصراط المستقيم، كما شرح لنا بالتفصيل من هم أهل الباطل وكيف هي مواصفاتهم وما هي مسمياتهم، ومن ريبة الأمر أن أهل الباطل المذكورين في كتاب الله يتباهون بأنفسهم ومنهجيتهم الضالة، ويسمون أنفسهم نفس التسمية التي حذرنا الله من موالاة أصحابها أو التودد إليهم، أو حتى التصديق بهم لما في ذلك من ردة علنية عن المنهج الإلهي.
وبالتالي، وبحسب النص القرآني، فإن من يتولى فريق المغضوب عليهم فإنه منهم وحكمه حكمهم، وأن تظاهر أولئك بالإيمان من بعد إظهار المودة ليس إلا شكلاً من أشكال النفاق، وأن هنالك فئة من العرب هي الأشد كفراً ونفاقاً بسبب مسارعتها في الموالاة للمغضوب عليهم، وتقديم تلك المسارعة تحت عناوين سياسية واقتصادية مثل حماية المصالح وغيرها، ونتذكر هنا اتفاق التطبيع العلني بين الكيان وفئة من الأعراب في العام 2020، وما تلى تلك المرحلة من مسارعة خليجية مكثفة للاحتفاء بالتصهين والتطبيع، وبما أن الكون يمضي وفق سنن إلهية، فقد أوضح القرآن الكريم أنه بعد كل مسارعة هناك أمر يأتي من عند الله يعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي وتظهر الفرق بين الخبيث والطيب، ومن هنا كان "طوفان الأقصى" العملية المباركة والفتح الإلهي، وكردّ إلهي على عملية المسارعة الأعرابية المنافقة.
ثم من بعد هذا الفتح الإلهي تغيّرت قواعد اللعبة بشكل جذري، والعالم بعد طوفان الأقصى ليس كما كان قبله، فقد قامت الحجة على الجميع ولم يعد هناك اليوم لبس بين الحق والباطل، فقد امتازت البشرية كلها بين أنصار غزة وأعداء غزة ولا مجال للحياد في كل أحداث المرحلة، وبات الأعراب في العلن جزءاً من المشروع الصهيوني، واتضح للجميع حقيقة ما يحدث في العالم ومن يكون أهل الحق ومن هم أهل الباطل، لا نحتاج اليوم لشرح طبيعة المعركة بين الرياض وصنعاء فقد وضعت غزة النقاط على الحروف وكشفت للجميع من مع وضد من ولأجل من.
أما عن نهاية هذه المعركة فإن لله عاقبة الأمور ولو شاء لانتقم منهم ولكنه -سبحانه وتعالى- يبلو بعضنا ببعض، فنحن جميعاً عباده ولم نخرج من إطار حوله وقوته، وقد وعد سبحانه وتعالى بتحرير الأقصى على يد عبادٍ له أولي بأس شديد، وهذا التوصيف ورد مرتين في كتابه، عند الحديث عن العذاب الإلهي على بني إسرائيل في سورة الإسراء، والأخرى عن أهل اليمن، كما هو معروف في سورة النمل، ولا بد أن يتحقق وعد الله ولو بعد حين.
وهكذا، يظل الأمل موصولاً بيقين لا يحيط به الشك، بأن ما بعد طوفان الأقصى ليس كما قبله، وأن الأقدار الإلهية تسير بخطى ثابتة نحو وعد الحق. فالتاريخ الإنساني علمنا أن الظلم مهما تعاظم، والباطل مهما تزيّن، فهما إلى زوال أمام صلابة الحق وثبات أهله، لتشرق شمس الحرية والعدالة على الأمة قاطبة، ويعود الحق إلى أصحابه شامخاً لا يطاله التزييف.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

