السياسية - وكالات:|| تقرير||

في قطاع غزة، لا ينتظر السكري انتهاء الحرب، ولا تمنح أجساد الأطفال المرضى أمهاتهم فرصة لالتقاط الأنفاس. فبين أقلام إنسولين شحيحة، وشرائح فحص مفقودة، وأدوية تنتهي صلاحيتها، وخيام تفتقر إلى شروط حفظ العلاج، تخوض الأمهات معركة يومية لحماية أطفالهن من مضاعفات مرض لا يحتمل انقطاع الدواء، في وقت تحاصر فيه الحرب حياتهم بالجوع والنزوح والفقر وغياب الرعاية الصحية.

قبل سبعة أعوام، لم يكن زاد بركات قد أكمل شهره الأول حين اكتشفت والدته منال، البالغة من العمر 42 عاماً، إصابته بالسكري من النوع الأول. واليوم، لم تعد معركتها مقتصرة على متابعة مستوى السكر في دمه، بل باتت تبحث عن قلم إنسولين صالح للاستعمال، وشرائح لقياس السكر، وطعام يحميه من الهبوط، وسط ظروف معيشية قاسية ومسؤولية إعالة أطفالها الخمسة بمفردها.

تروي منال لصحيفة (فلسطين) أن طفلها أمضى نحو 12 يوماً في العناية المركزة بعد تشخيص إصابته بالسكري، مصحوباً بالحماض الكيتوني، قبل تحويله إلى مستشفى الرنتيسي، حيث تعلمت كيفية التعامل مع حالته.

لكن حرب الإبادة بددت استقرار سنوات العلاج، وأجبرتها على البحث عن الطعام في مناطق خطرة، بينها زيكيم ومحيط نقطة توزيع المساعدات المعروفة بالنابلسي، لتأمين احتياجات أطفالها، ومن بينهم زاد الذي يتطلب مرضه توازناً دقيقاً بين الإنسولين والغذاء ومراقبة مستوى السكر.

ومع شح العلاج، أخذت رحلة البحث عن الإنسولين تستنزف ما تبقى لديها من قدرة على الاحتمال. وتقول إن أقلاماً منتهية الصلاحية عُرضت للبيع بأسعار تراوحت بين 80 و100 شيكل، في ظل الاحتكار التجاري، بينما تعاني العائلات فقدان شرائح قياس السكر، وتجد نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين العلاج.

وعلى مقربة من هذه المعاناة، تخوض مريم صيدم، البالغة من العمر 16 عاماً، معركة مزدوجة مع السكري وامتحانات الثانوية العامة، بعدما أجبرتها حرب الإبادة على النزوح مع أسرتها إلى خيمة على شاطئ البحر، تفتقر إلى وسائل التبريد المناسبة لحفظ الإنسولين.

وتقول والدتها لينا، البالغة من العمر 43 عاماً، إن مستوى السكر التراكمي لدى ابنتها ارتفع من 7 إلى 8 قبل الحرب إلى 14، وفق نتائج الفحوص التي تحدثت عنها، وسط مخاوف من تداعيات اضطراب العلاج.

أما مريم، فتقول إنها تضطر إلى قياس مستوى السكر أكثر من عشر مرات يومياً، بينما لا تستجيب حالتها بصورة فعالة للإنسولين المتاح لديها، مضيفة أنها تحصل على أقلام من المراكز والعيادات الصحية رغم انتهاء صلاحية بعضها، في ظل غياب البدائل.

وتوضح والدتها أن ابنتها دخلت المستشفى مرات عديدة خلال الحرب نتيجة اضطراب مستويات السكر ونوبات الحماض الكيتوني، فيما تواجه الأسرة صعوبة في تأمين المواصلات اللازمة لنقلها إلى مجمع ناصر الطبي عند تدهور حالتها.

وتتفاقم معاناة مرضى السكري في المستشفيات جراء نقص المستلزمات الطبية. ويقول مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، الدكتور أحمد الفرا، إن مرضى السكري من النوع الأول يعانون نقص الإنسولين وأقلام الحقن وشرائح الفحص، ما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، بينها الحماض الكيتوني الذي يستدعي إدخال بعض الحالات إلى العناية المركزة.

ويحذر الفرا من أن انقطاع العلاج وعدم انتظام مراقبة السكر قد يؤديان إلى مضاعفات خطيرة تؤثر في الأعصاب وشبكية العين والجهاز المناعي، فضلاً عن نمو الأطفال وتحصيلهم الدراسي، مؤكداً ضرورة إدخال الإنسولين والمستلزمات الطبية إلى القطاع لإنقاذ حياة المرضى.
وفي ظل القيود الصهيونية المفروضة على إدخال الإمدادات إلى غزة، تتفاقم المخاوف من استمرار نقص العلاج، خصوصاً لدى الأطفال الذين لا تحتمل حالاتهم الصحية انقطاع الإنسولين أو اضطراب جرعاته، ويحتاجون إلى بيئة مناسبة لحفظ الأدوية ومتابعة مستويات السكر بصورة منتظمة.

في غزة، لم يعد الإنسولين مجرد دواء على رف صيدلية، بل أصبح فاصلاً بين يوم يستطيع فيه الطفل متابعة حياته، ويوم آخر قد ينتهي به في غرفة العناية المركزة. ولم تعد شرائح قياس السكر مجرد مستلزمات طبية، بل وسيلة تحاول بها الأمهات استباق الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

لا تستطيع منال بركات التوقف عن البحث عن علاج لزاد، ولا تملك لينا صيدم خياراً يسمح لها بتأجيل علاج مريم حتى تنتهي الحرب. فالأولى تحاول حماية طفل بدأت رحلته مع السكري قبل أن يكمل شهره الأول، والثانية تتمسك بحق ابنتها في العلاج والتعليم، رغم أن النزوح والمرض يهددان معاً قدرتها على مواصلة حياتها بصورة طبيعية.

وفيما تتكرر أيام البحث عن الإنسولين والطعام، تبقى الأسئلة معلقة فوق خيام النازحين: كيف يمكن لطفل أن ينمو بأمان حين يصبح دواؤه مفقوداً؟ وكيف يمكن لطالبة أن تستعد لامتحاناتها وهي مضطرة إلى مراقبة مستوى السكر في دمها أكثر من عشر مرات يومياً، ولا تضمن صلاحية العلاج الذي تحصل عليه؟

إنها معركة مع المرض والحرب معاً، يدفع أطفال غزة ثمنها من صحتهم وطفولتهم، في ظل القيود التي يفرضها العدو الإسرائيلي على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية.

وبين أقلام إنسولين تنفد وشرائح فحص تغيب وخيام لا توفر شروط حفظ العلاج، يواصل هؤلاء الأطفال صراعهم من أجل الحياة، فيما تنتظر أمهاتهم أن يجدن الدواء لأطفالهن قبل أن يتحول نقصه إلى تهديد جديد لحياتهم.