السياسية || علي مجمل حمزة*

بتقنيات عالية الجودة استطاعت قناتي الجزيرة والعربية وشبيهاتها الوصول إلى الميدان وتبني السرديات التي تخدم توجهها. ليس هذا فحسب، بل تمكنت من "صياغة القصة" بالشكل والموضوع لتبث ما تريد توجيهه إلى القارئ والمشاهد بأسلوب محبوك يضمن تسلل الرسالة التضليلية وتصديقها دون أدنى تشكيك.

وعلى هذا النهج، بدأت الجزيرة والعربية توسيع نطاق المؤامرات عبر تقارير وشخصيات تختارها بعناية ممن يملكون التأثير الأساسي في تصعيد المعارك. وفي ذات السياق، تغطية الوقائع والمجازر التي تحصل للأبرياء بأسلوب يجعل المشاهد يتعود ويقتنع بأن السبب الحقيقي في هذه الكوارث هم من يقفون في وجه المعتدي ويقاومونه، وينقلون ذلك باحترافية تجعل اليأس يتسلل لمن يقف مع المجتمعات المتضررة.

ولكي تتضح للقارئ الصورة الجلية، عليه أن يوسّع نطاق اطلاعه ومتابعة القنوات الأخرى التي تتبنى الفكر المقاوم للأنظمة التي تعمل لحسابها هذه الشاشات (كالجزيرة والعربية)؛ حتى يستطيع معرفة ما يُحاك من حوله. وهذا ما لا يقوم به الجميع؛ فهم يكتفون بمشاهدة الأخبار عبر أقوى المنصات المعادية، ويصادفون تطابق السرديات بينها وبين القنوات الأجنبية، مما يعزز المصداقية المزيفة لدى قنوات التضليل حين تُظهر أن الجميع ينقلون ذات الرواية.

فيتساءل المتابع: كيف تأتي قنوات غير مشهورة وتُعطي أخباراً مغايرة؟ مثل قنوات محور المقاومة أو منصات عالمية مستقلة تتناغم معها وتخالف الطرح السائد؟ وهنا يكمن الفخ الذي يقع فيه المتابعون.
وإذا وضعنا المجريات على ميزان التساؤلات، سنجد أن قضية فلسطين والتطورات المتتابعة حولها كانت أكبر نموذج فضح هذه المنظومة. فقد كان الإعلام العالمي يتحدث عن مسار القضايا وكأن هناك تدخلاً يعطل أركان "السلام" المزعوم الذي خُطط له عبر الاتفاقيات، مستعرضاً الأمر بأسلوب يوحي بأن الحكومات وصلت إلى حلول مع الكيان الصهيوني برعاية أمريكية. وركزت القنوات المعادية على هذا التوافق، وأوصلته إلى المشاهد بإيقاع يوهم بالبهجة للشعوب المتضامنة.

بينما الحقيقة التي تنقلها قنوات محور المقاومة تعاكس كل هذه الادعاءات؛ فهي تغطي معاناة الشعب الفلسطيني بطريقة صادقة وحقيقية، وإن كانت ضعيفة الإمكانيات في إيصال هذا الواقع للعالم.

وظل الحال كذلك حتى جاءت أحداث "طوفان الأقصى" التي غيرت مجرى الصراع كلياً، وكشفت مجازر العدو الإسرائيلي وحقيقته أمام العالم أجمع، فأربكت هذه الثورة الميدانية كل مطابخ القنوات المعادية وإستراتيجياتها التضليلية، وأسقطت قناع "الاحترافية" الذي تغطت به لسنوات.

وبهذا النهج، يستطيع المتابع ربط المواضيع؛ فكيف تبنت هذه القنوات معاناة الشعوب من الجماعات المتشددة في حربها بصفات حقيقية تثبت إرهابها، وقبل أن تصل للحكم وترضى عنها القوى العالمية، غيّرت هذه القنوات كل أوصافها وجعلت منهم "مناضلين"، لتقنين وجودهم وإظهار أنهم يسعون للسلام مع "إسرائيل"؟

إن ما حدث في سوريا مع الجولاني قبل إسقاط نظام الأسد هو مثال واحد يُقاس عليه حجم الفبركات والمتغيرات التي يستطيع الإعلام العالمي صنعها، وعليه نقيس كل الأحداث السارية في كافة الجبهات ومناطق النزاع.
إن الله خير مطلع ومنصف، ومهما كان الكذب ممنهجاً فسوف يُفضح. لقد فهم محور المقاومة هذه اللعبة، وترسخ في عقول أبنائه المضي في مواجهة المعتدي دون التأثر بوسائل الإعلام، مما منحهم العزيمة النضالية الصادقة.

وهذا ما غيّر المعادلة في الواقع؛ بتوالي الانتصارات العسكرية في الجبهات، وتنامي وعي المجتمعات التي باتت تتقصي الحقائق من القنوات الصادقة المواكبة للميدان، والتي تنقل المعاناة وردود المقاومة بصدق وثبات. فالحمد لله ناصر الحق وأهله.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب