السياسية || محمد محسن الجوهري*


يزعم الوهابيون أنهم على دين الصحابة ويقدسونهم أكثر مما يقدسون رسول الله صلى الله عليه وآله، لدرجة أن في عقيدتهم أن النبي -وهو لا ينطق عن الهوى- كان يخطئ فيصححه بعض الصحابة، فيأتي الوحي ليؤكد صحة رأي ذلك الصحابي وبطلان قول النبي صلى الله عليه وآله. وفي ذلك كفر صريح؛ لأنهم يخالفون قوله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). فالنبي كان معصوماً في كل أقواله وأفعاله، ولكن الوهابية، كغيرهم من الفرق الضالة، يسعون جاهدين للتقليل من عظمة النبي ومن عظمة الوحي، واستبدال النور الإلهي بعقائد أخرى باطلة نسبوها زوراً وبهتاناً إلى صحابة رسول الله.

فهم والصحابة كالسامري وقبضته التي قبضها من أثر الرسول، عندما نسب عقيدة العجل إلى موسى. ولو رجعنا إلى التعريف القرآني للصحابة لوجدناه صريحاً بأنهم كانوا على دين رسول الله لا يخالفونه في شيء، ومن شذ منهم عن توجيهات النبي فقد شذ في النار. وكذلك بالنسبة لنفسياتهم تجاه بعضهم البعض وتجاه المستضعفين من الناس، فقال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ). وهذه الصفات لم نرها قط في الوهابية، فهم على النقيض تماماً؛ فهم رحماء مع الكفار، وقد رأينا أعلى مستويات الرحمة والخضوع في هذا العصر أمام العدو الصهيوني وغيره من الأعداء الذين يجاهرون ببغضهم للإسلام والمسلمين.

كما رأيناهم يمارسون كل أشكال الشدة تجاه المسلمين حتى في بلاد الحرمين التي جعلها الله للناس سواءً، فجعلوها لأعداء الإسلام ومارسوا بها كل أشكال التضييق على المسلمين، وحاربوا عقائدهم ومنعوهم من زيارة النبي وآل بيته والصحابة عليهم السلام جميعاً، في الوقت الذي يحافظون فيه على آثار مؤسس دولتهم الهالك عبدالعزيز آل سعود، وفي ذلك أسوأ وأوضح أشكال الشرك بالله.

وهذا من أبرز الشواهد الواقعية والتاريخية على تناقض الفكر الوهابي مع النهج الصحيح للصحابة والقرآن؛ فبينما يتباكون زوراً على تعظيم الصحابة، نراهم في المقابل قاموا عبر تاريخهم بهدم آثار الصحابة وآل البيت ومسح المعالم التاريخية المرتبطة بالسيرة النبوية الشريفة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، تحت ذريعة محاربة الشرك المزعوم، في حين يبذلون الغالي والنفيس لحماية وتعظيم آثار قياداتهم السياسية والتاريخية الخاصة. هذا السلوك المزدوج يكشف بوضوح أن الغاية لم تكن قط حماية التوحيد أو الاقتداء بالسلف، بل هي محاولة ممنهجة لطمس الذاكرة الإسلامية الحقيقية واستبدالها بثقافة طاعة الحاكم والاستبداد السياسي المترسخة في أدبياتهم.

ويكفينا شاهداً صارخاً على بطلان دعاوى الوهابية اليوم ما تفرزوه موازين الولاء والبراء لديهم في واقعنا المعاصر، والتي انقلبت رأساً على عقب مقارنةً بمقاييس الإسلام الأساسية.

فحين نرى مسارعتهم في تطبيع العلاقات وتحالفهم العلني مع القوى الاستعمارية والكيان الصهيوني الغاصب -متجاوزين كل الثوابت الدينية والإنسانية في نصرة المستضعفين وقضايا الأمة المركزية كقضية فلسطين- ندرك تماماً صدق الآية الكريمة: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) وكيف أنهم أفرغوها من مضمونها الحقيقي. فشدة بأسهم وسياط قمعهم موجهة دائماً نحو شعوب الأمة الإسلامية المخالفة لتوجهاتهم، بينما نراهم في أعلى درجات الخنوع واللين أمام أعداء الأمة، وهو ما يؤكد بالدليل القاطع أنهم أبعد ما يكونون عن منهج الصحابة الأبرار أو هدي النبي المختار صلى الله عليه وآله وسلم.

فالوهابية والصحابة لا يلتقيان على الإطلاق، ويتأكد هذا الفهم جلياً حين نستقريء القرآن الكريم لنرى كيف وصف الله سبحانه وتعالى الصحابة الصادقين الذين نصروا نبيه، حيث يقول عز وجل في سورة الفتح: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ). فهذه الآية الكريمة تضع معياراً دقيقاً وميزانًا ربانياً يعتمد على الاتباع والإحسان، لا على مجرد الانتساب الشكلي الذي تتشدق به التيارات المتشددة اليوم.

لقد كان الصحابة الأجلاء يجسدون روح التواضع والطاعة المطلقة لأوامر الله ورسوله، بعيداً عن التعصب المقيت أو الابتداع في الدين، وكان همهم الأول نصرة الإسلام وإعلاء كلمة الحق، مما يجعل محاولة إسقاط أفعالهم على المنهج الوهابي المعاصر مفارقةً ترفضها النصوص القرآنية صراحةً.




* المقال يعبر عن رأي الكاتب