السياسية - تقـــــرير :

في صبيحة الحادي والعشرين من أغسطس 1969، لم يكن المسجد الأقصى على موعد مع حريق عابر، بل مع واحدة من أكثر الجرائم التي تركت ندوبًا عميقة في ذاكرة القدس.

اشتعلت النيران في المصلى القبلي، وتصاعد الدخان فوق المدينة المقدسة، بينما كانت ألسنة اللهب تلتهم سقفه وزخارفه التاريخية ومنبر صلاح الدين الأيوبي، في مشهد بدا كأنه محاولة لإحراق ذاكرة مدينة بأكملها.

في ذلك الصباح، اقتحم المتطرف الأسترالي دينيس مايكل روهان المسجد الأقصى من جهة باب الغوانمة، وأشعل النار عمدًا، بعدما سكب مادة حارقة من داخل المصلى القبلي وخارجه، لتتمدد النيران سريعًا وتلتهم الجناح الشرقي منه، وتحرق أجزاء واسعة من سقفه وزخارفه، وتأتي على منبر صلاح الدين الأيوبي، الذي أمر بصناعته السلطان نور الدين زنكي استعدادًا ليوم تحرير القدس.

ولم يكن وقع الحريق على المقدسيين مجرد خسارة لمعلم أثري، فالمنبر الذي احترق كان يحمل في تفاصيله ذاكرة قرون من تاريخ المدينة، وظل حاضرًا في الوعي الإسلامي بوصفه رمزًا ارتبط بتحرير القدس.

وبينما كانت النيران تلتهم أجزاء من المسجد، اندفع المقدسيون لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، في ظل شح الإمكانيات والمياه.

وأمام هذه الجريمة، قطع العدو الإسرائيلي المياه وتباطأ في إرسال سيارات الإطفاء، فيما لجأ أهل القدس إلى ما توفر من مياه الآبار والتراب، وخاضوا بأيديهم وصدورهم العارية معركة لإخماد الحريق وحماية المسجد.

كان المشهد قاسيًا؛ نار في قلب الأقصى، ومقدسيون يحاولون بأبسط الوسائل إنقاذ ما تبقى من أحد أهم معالم مدينتهم.

في أعقاب الحريق، حاول العدو الإسرائيلي في البداية تقديم رواية تفيد بأن ما جرى سببه "تماس كهربائي"، لكن المهندسين العرب أثبتوا أن الحريق كان متعمدًا، لتتغير الرواية لاحقًا ويُقدَّم روهان على أنه "معتوه"، قبل إطلاق سراحه.

ومع انطفاء النيران، بدأت معركة أخرى؛ معركة إعادة إعمار ما دمره الحريق. وبعد نحو عام، انطلقت أعمال إعمار المصلى القبلي، واستُخدم حاجز طوبي ومنبر حديدي مؤقت إلى أن أزيل عام 1986، فيما أُعيد لاحقًا إعداد منبر بديل يحاكي المنبر التاريخي، صنعه الأردن ووُضع في المسجد الأقصى عام 2006.

غير أن ما أُعيد بناؤه بالحجارة والخشب لم يمحُ أثر الجريمة من ذاكرة القدس.

فبعد 57 عامًا، يرى الفلسطينيون أن استهداف المسجد الأقصى لم يعد يقتصر على حريق أو اعتداء منفرد، وإنما اتخذ أشكالًا أوسع، تمتد إلى محيطه والمدينة التي تحتضنه.

في أحياء مقدسية مثل سلوان والشيخ جراح، تواجه عائلات فلسطينية خطر التهجير والإخلاء، فيما تتصاعد عمليات هدم المنازل والتوسع الاستيطاني، إلى جانب الاقتحامات والقيود المفروضة على حرية العبادة، في مشهد يرى فيه الفلسطينيون محاولة متواصلة لتغيير ملامح القدس وتفريغ محيط المسجد الأقصى من حضوره الفلسطيني.

وهنا، تبدو العلاقة بين الأقصى والقدس أكثر وضوحًا؛ فالمسجد ليس مبنى قائمًا بمعزل عن المدينة، ولا يمكن فصل جدرانه عن أحيائها وبيوتها وأهلها وأزقتها. وما يصيب محيطه، بحسب الفلسطينيين، يطال هويته ومكانته بالقدر نفسه.

ويقول خطيب المسجد الأقصى، الشيخ عكرمة صبري لوكالة "سند للأنباء" الفلسطينية، إن ألسنة اللهب التي اشتعلت قبل 57 عامًا "لم تنطفئ"، وإنما تحولت، إلى حريق أوسع وأشمل يستهدف الوجود المقدسي، والبيوت المهددة بالهدم، ومحاولات طمس هوية المدينة.

ويحذر صبري من التعامل مع ذكرى الحريق باعتبارها مجرد محطة تاريخية تُستعاد مرة كل عام، مؤكدًا أن جوهر الجريمة ما يزال حاضرًا، ما دامت المخاطر التي تهدد المسجد الأقصى والمدينة المقدسة مستمرة.

وبين حريق الأمس وسياسات اليوم، تبدو القدس وكأنها تحمل النار ذاتها، وإن تغيّر شكلها.

فالنيران التي التهمت المصلى القبلي قبل 57 عامًا كانت واضحة للعين؛ دخان يتصاعد، وأخشاب تحترق، وزخارف تنهار، ومنبر تاريخي يتحول إلى رماد.

أما اليوم، فتأتي النار بأشكال أخرى؛ بيت يُهدد بالهدم، عائلة تواجه خطر التهجير، حي يتغير وجهه، ومقدسي يكافح للبقاء في مدينته.

لهذا، لا تستعيد القدس ذكرى الحريق بوصفها صورة من الماضي فقط، بل بوصفها جرحًا لا يزال حاضرًا في تفاصيل يومها.

بعد 57 عامًا، يقف الأقصى شاهدًا على حريق لم يعد رماده في المصلى وحده؛ فقد امتدت ألسنة النار إلى أحياء القدس وبيوتها وذاكرتها، وما زالت المدينة تحاول إطفاءها بالحياة، وبالبقاء، وبالتمسك بكل حجر يحكي أنها كانت هنا.. وما زالت هنا.

سبأ