طوفان الجنيد*

إنَّ المتابع لأحداث الصراع بين قوى الاستكبار العالمي ومحور المقاومة، بقيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذَا ما قرأ الوقائع والنتائج بحصافة، ووزن الاستنتاجات بميزان المكاسب والخسائر، والانتصار والهزيمة، سيجد نفسه أمام سؤالٍ مركزي:

هل ما تحقّق هو انتصار مبدئي، أم انتصار ساحق بالمعنى الاستراتيجي؟

وكذلك، حين نُخضِعُ المواجهةَ التي جرت بين المحورين المتصارعين -محور الشر والإجرام الأمريكي، ومحور الدفاع والمقاومة الإيماني- لمقاييسِ العِلم العسكري والاستراتيجي، فإننا لا نبحَثُ عن مشهدٍ تقليديٍّ لجيشٍ يرفعُ رايةَ الاستسلام.

نحن نبحث عن مدى فرض الإرادَة وتحقيق أهداف المعتدي، وقدرة الطرف الدفاعي على إفشال تلك الأهداف، وكسر إرادَة الخصم، وإيصاله إلى مرحلة العجز والانهيار.

ومن هذا المنطلق، يمكنُ تفكيكُ طبيعة الانتصار الإيراني ومستواه:

هل هو مُجَـرّد صمود مبدئي، أم أنه يرتقي ليكون انتصارًا ساحقًا بالمعنى الاستراتيجي؟

ولتحديد حجم هذا الانتصار، يجب أن تركّز قراءتنا للمشهد على النتائج والشواهد الميدانية والسياسية الماثلة للعيان.

أولًا: شواهد الانتصار المبدئي

الانتصار المبدئي في الحروب غير المتكافئة يتحقّق عندما يعجز الخصم الأقوى عن تحقيق أهدافه الوجودية، وهو ما أنجزته طهران في عدة مسارات.

كانت الغاية الأمريكية المعلنة من الحرب العدوانية، والعقوبات الاقتصادية الخانقة، والمحاصرة السياسية، هي القضاء على النظام في طهران، واستبداله بنظام موالٍ لها وللصهاينة، أَو إجباره على القدوم إلى طاولة المفاوضات مُجَـرّدا من عناصر قوته.

وهنا نستطيع القول إن الثباتَ والصمودَ الإيراني، مع وَحدة الساحات في وجه هذه العاصفة، يمثل انتصارًا مبدئيًّا؛ لأنه حافَظَ على الوجود السياسي، والقدرة على اتِّخاذ القرار المستقل.

وطبقًا للقاعدة العسكرية الشهيرة: «القوى غير التقليدية تنتصر إذَا لم تُهزم».

فإن بقاءَ محور المقاومة متماسكًا، من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وتطوُّره اللوجستي والعسكري رغم الحصار، يعد دليلًا قاطعًا على فشل مشروع العزل والتفكيك الأمريكي.

ثانيًا: شواهد الانتصار الساحق

فرض المعادلات وتآكل الردع الأمريكي

يتجاوز الموقف العام لمحور المقاومة مُجَـرّد “الدفاع والصمود المبدئي” إلى مربع الهجوم الاستراتيجي وفرض المعادلات اللامتناظرة، وهو ما يمنح هذا الانتصار صبغة السحق الاستراتيجي لأدوات الهيمنة والاستكبار.

وفي المعركة البحرية التي خلدها الأبطال الحيدريون، يتجلى الشاهد الأبرز في مسرح البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

إن عَجْزَ أمريكا وحلفائها -برغم الحشود العسكرية- عن تأمين خطوط الملاحة الدولية ضد الهجمات البحرية والصاروخية التي تنفِّذُها القواتُ المسلحةُ اليمنية (جبهة الإسناد اليمنية)، يمثِّلُ فشلًا وظيفيًّا وهزيمةً ساحقةً لأكبر قوة بحرية في العالم.

كيف لا، وقد رأينا حاملاتِ الطائرات الأمريكية تضطرُّ للتراجُع، أَو اتِّخاذ مواضعَ دفاعية عاجزة عن الحسم؟ لقد سُحقت هيبة الردع التقليدي بالفعل.

فرض خطوط حمراء جديدة بالقوة:

لم يعد محور المقاومة، بقيادة إيران، حبيس الجغرافيا.

فإن نجاح طهران في كسر الحصار الاقتصادي عبر إرسال ناقلات نفطها، تحت علمها، عبر بحار يسيطر عليها الغرب تاريخيًّا إلى فنزويلا وسوريا، دون أن تجرُؤَ واشنطن على اعتراضها خوفًا من الرد المقابل في مضيق هرمز، يمثل انتصارا ساحقًا في فرض قواعد اشتباك جديدة بقوة السلاح.

الاستنزاف الاستراتيجي وحرب الاقتصاديات:

تتجلى الهزيمة الساحقة للخصم عندما يصبح استمراره في المواجهة انتحارا ماديًّا ولوجستيًّا.

إن إجبار واشنطن على استخدام صواريخ وأنظمة دفاع جوي تكلف ملايين الدولارات (كصواريخ توماهوك وكروز، وطائرات الشبحB2، والمنظومات الدفاعية المتقدمة) لاعتراض مسيّرات وصواريخ منخفضة التكلفة، خلق خللًا عميقًا في “اقتصاديات الحرب”، واستنزف الترسانة العسكرية الأمريكية ومصداقيتها الاستراتيجية.

إذن.. لقد نجحت طهران في تحويل أدوات القوة الأمريكية التقليدية -كحاملات الطائرات والقواعد العسكرية- من أدوات تهديد وهيبة، إلى أهداف محتملة ومأزومة تحتاج هي نفسها إلى الحماية.

أمريكا لم تنتصر؛ لأنها عجزت عن إخضاع الخصم، وإيران انتصرت انتصارًا ساحقًا لأنها صاغت معادلةً إقليميةً جديدة، شلّت فيها يدَ القوة العظمى، وحيّدت تفوُّقَها التكنولوجي.

* المقال يعبر عن راي الكاتب