السياسية || تقرير||

في أحد أزقة مدينة غزة الضيقة، حيث يختلط الغبار برائحة المعاناة، يقف "مخيم الشرق" كمساحة صغيرة لا تشبه المخيمات إلا بالاسم، بينما تُشبه في حقيقتها خريطة مكثفة لأزمة إنسانية متفاقمة. هناك، بين خيام متلاصقة بالكاد تتنفس، تعيش نحو 19 عائلة، بما يقارب 50 إلى 60 شخصًا، في واقع يومي يقترب من حدود الانهيار الكامل، حيث تتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى تحدٍ مرهق من أجل البقاء.

في هذا المكان، لا تبدو الحياة مستقرة ولا حتى قابلة للاستمرار بالشكل الطبيعي. فالمياه شحيحة وغير منتظمة، والغذاء غير مضمون، والخدمات شبه غائبة، بينما يغيب أي دعم مؤسسي منظم يمكن أن يخفف من وطأة الظروف. ومع هذا الفراغ، يصبح المخيم مساحة مفتوحة على القلق، حيث لا شيء ثابت سوى انتظار المساعدة التي قد تأتي أو لا تأتي.

تتصدر أزمة المياه قائمة المعاناة اليومية. فالعائلات تعتمد على كميات محدودة تصل بشكل متقطع، لا تكفي حتى لتغطية الاحتياجات الأساسية من الشرب والنظافة والطهي.

وتقول إحدى السكان، عايدة عرفة لـ صحيفة (فلسطين)، إن المياه تصل أحيانًا مرة واحدة في اليوم أو تنقطع تمامًا، ما يفرض عليها توزيعها بحذر شديد بين أفراد أسرتها، مضيفة أن الأطفال هم الأكثر تضررًا، إذ يضطر بعضهم أحيانًا لاستخدام مياه غير آمنة، ما يفاقم المخاطر الصحية في ظل غياب الرعاية الطبية الكافية.

ولا يقل الوضع الغذائي قسوة عن أزمة المياه. فلا نظام غذائي ثابت ولا مصادر مستقرة للإمداد، بل اعتماد شبه كامل على مساعدات متقطعة لا تكفي الجميع.

ويقول أحد السكان، محمد جعرور، إن أيامًا تمر دون الحصول على وجبة كاملة للأطفال، مضيفًا أن ما يصل من مساعدات يُقسَّم بعناية شديدة لكنه يظل غير كافٍ أمام حجم الحاجة.

وبين الجوع والانتظار، يعيش السكان حالة ترقب دائم لأي دعم قد يخفف عنهم، دون أي ضمان للاستمرارية.

وتزداد المعاناة تعقيدًا مع انتشار القوارض داخل الخيام نتيجة غياب مواد النظافة والمكافحة. فليالي المخيم لم تعد تخلو من الخوف، إذ تقترب الفئران من أماكن نوم الأطفال، وتتحول إلى مصدر قلق يومي للأسر.

وتروي إحدى السكان، آمنة عليوة، أنها تستيقظ أحيانًا على أصوات أو آلام مفاجئة، بعدما أصبحت هذه الكائنات جزءًا قاسيًا من تفاصيل الحياة داخل الخيام، في ظل غياب أي حلول صحية أو وقائية.

وفي ظل هذا الواقع، تؤكد مسؤولة المخيم سناء أمن أن الحياة هناك لم تعد تُقاس بمعايير الاستقرار، بل بمحاولات متواصلة للنجاة. فالأطفال يلعبون في مساحات ضيقة وغير آمنة، والبيئة العامة تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان الصحي والنفسي، بينما تتداخل الأزمات المعيشية والغذائية والصحية في مشهد واحد يثقل كاهل السكان يومًا بعد يوم.

ويبقى "مخيم الشرق" أكثر من مجرد مكان مكتظ بالخيام؛ إنه صورة مكثفة لمعاناة إنسانية مستمرة، يعيش فيها الناس على هامش الحياة، بين العطش والجوع والخوف، دون يقين بما سيأتي في الغد. هناك، لا يُطلب الكثير، فقط الحد الأدنى من الحياة الكريمة: ماء نظيف، طعام يكفي الأطفال، وأمان يخفف قسوة الليل الطويل.