الناس في الميزان القرآني
عدنان عبد الله الجنيد*
الناس في الميزان القرآني بين موقع المسؤولية الإلهية والمشروع الشيطاني الصهيوني لاستهداف المقدسات.
القرآن الكريم هو كتابُ الله الخالد، ومنبعُ الهداية الإلهية للإنسانية جمعاء، نزل ليكون ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾؛ لا هدايةً جزئيةً أو ظرفية، بل هدايةً شاملةً تخاطب العقل، وتوقظ الفطرة، وتضبط حركة الإنسان في الكون والحياة.
وقد جاء هذا الكتاب الرباني ليؤكد أنّ الهداية ليست دعوى، بل منهجًا متكاملًا يفسّر الوجود، ويهدي السلوك، ويقيم الميزان.
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة النحل: 89].
فهو كتابُ تبيانٍ شامل، لا يترك أمرًا يتعلّق بالهداية إلا بيّنه، ولا شأنًا من شؤون الإنسان إلا وضع له ميزانه؛ هدىً يهدي، ورحمةً تحتضن، وبشرى تطمئن القلوب.
ويؤكّد هذا الشمول قوله تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: 39].
فلا نقص في البيان، ولا فراغ في المنهج، بل كمالٌ مقصودٌ يُحيل الإنسان إلى ربّه مسؤولًا عن فهم الهداية والعمل بها.
ثم يبيّن سبحانه أنّ القرآن لم يأتِ بأسلوبٍ واحدٍ جامد، بل صُرّفت معانيه وأمثاله لتخاطب العقول على اختلاف مستوياتها: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [سورة الإسراء: 89].
ففيه من البيان ما يكفي، ومن الأمثال ما يغني، غير أنّ الإعراض لا يكون إلا من القلوب لا من النصّ.
ويصف الله كتابه بأنّه بصائر تهدي إلى الحق، لا مجرّد ألفاظٍ تُتلى: ﴿هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: 203].
فهو نورٌ للعقل، وحياةٌ للقلب، ورحمةٌ لمن فتح له باب الإيمان.
ويخاطب القرآن الناس جميعًا بنداءٍ جامعٍ لا يقتصر على فئةٍ دون أخرى: ﴿يَٰأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [سورة النساء: 173].
برهانٌ يقيم الحجة، ونورٌ يكشف الطريق، فلا عذر بعد البيان، ولا ظلمة بعد النور.
ثم تأتي آية التحدّي لتغلق باب الشكّ وتثبت المصدر الإلهي لهذا الكتاب: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [سورة الإسراء: 88].
ومن هنا تنطلق هذه القراءة في فهم المصطلح القرآني الناس، لا بوصفه لفظًا لغويًا مجرّدًا، بل كمفهومٍ مركزيٍّ في الهداية، يرتبط بالتسخير الكوني، وبالاختيار الإنساني، وبالمسؤولية في إقامة القسط، في ظلّ واقعٍ تتعرّض فيه قدسية القرآن ذاته لهجمةٍ عدوانيةٍ ممنهجة.
المحور الأول: الإساءة إلى القرآن… انحراف عن الميزان الإلهي:
إذا كان القرآن الكريم قد نزل هُدًى لِّلنَّاسِ، وميزانًا ربانيًا يضبط حركة الإنسان في الكون، فإنّ الإساءة إليه ليست حادثةً معزولة ولا فعلًا فرديًا، بل هي انحرافٌ عن هذا الميزان، واختبارٌ حادٌّ لموقف الناس من الهداية، والتسخير، وإقامة القسط.
إن ما تقوم به الحركة الصهيونية وأئمة الكفر (أمريكا وإسرائيل) وأذنابهم التافهون المجرمون من إساءاتٍ متكرّرةٍ ومنظّمةٍ إلى القرآن الكريم، ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو مشروعٌ شيطانيٌّ صهيونيٌّ خبيث، يتحرّك بوعي ضمن حملةٍ عدوانيةٍ صريحة ضد الإسلام والمسلمين، تقودها منظومة الاستكبار العالمي. والهدف الحقيقي من وراء ذلك هو استهداف قدسية القرآن الكريم؛ لإفراغ الأمة من عناصر قوتها، وإعادتها إلى ظلمات الجاهلية، والعبودية للشيطان وزمرته المستكبرة.
أولًا: الإساءة إلى القرآن كتمرّد على ميزان الهداية:
إنّ تكرار حوادث حرق وتمزيق المصحف الشريف في العواصم الغربية، والمدن الأمريكية، والمستوطنات الصهيونية، ليس إلا امتدادًا لمسارٍ تاريخيٍّ طويل من العداء للقرآن؛ بدأ في العصور الوسطى، وتعمّق في الحقبة الاستعمارية، وتبلور اليوم في المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا يستهدف كل ما يحرّر الإنسان من الطغيان.
فالإساءة للقرآن ليست خلافًا ثقافيًا، بل تمرّدٌ على مصدر الهداية، ومحاولةٌ لنزع الشرعية عن الميزان الذي يفضح الظلم ويقوّض مشاريع الهيمنة.
ثانيًا: نزع القدسية وكسر الهوية
تحويل الإساءة للمصحف الشريف إلى ممارسةٍ اعتياديةٍ تحت لافتة حرية التعبير الزائفة، هو إحدى أدوات الحرب الناعمة التي يديرها الاستكبار العالمي. والهدف هو ضرب الوعي والبصيرة، وسلب الإيمان والأخلاق القرآنية من النفوس، حتى تتقبّل الأمة تدنيس مقدّساتها دون رادع، فتفقد هويتها الإيمانية الجامعة، وتتحول إلى كيانٍ هشٍّ يسهل احتلاله واستباحته.
ثالثًا: التفريط والتخاذل… اختلال في إقامة القسط
إنّ الخطر الأكبر لا يكمن في فعل المعتدي وحده، بل في حالة التفريط والتهاون والتخاذل التي تسود بعض أنظمة وشعوب الأمة، حيث يبرّر العملاء والأنظمة التابعة الإساءة باسم الحريات، ويحاربون الغيورين على كتاب الله باسم التطرف.
وهذا التفريط ليس تقصيرًا سياسيًا فحسب، بل خيانةٌ لموقع المسؤولية الإلهية، واستدعاءٌ للعقوبة الربانية.
رابعًا: لماذا يخافون القرآن؟
رغم كل محاولات التدنيس، يبقى القرآن محفوظًا بحفظ الله، وتتحوّل الإساءات إليه غالبًا إلى دافعٍ للبحث والاهتداء.
لأنّ القرآن ليس كتابَ طقوس، بل مشروعَ تحرّر، ومنهجَ قسط، ودستورَ كرامةٍ إنسانية؛ يخشاه الطغاة ويحاولون تفريغه من محتواه التحرّري، وتحويله إلى نصٍّ منزوع الدسم لا يهدد مشاريع الهيمنة.
فليس الخوف لديهم من مجرد النص، بل من أمةٍ تتحرّك بوعي هذا النص لتتحرر من وصايتهم، وتطبّقه عمليًا في واقعها، فتقود العالم نحو العدل الإلهي.
خامسًا: من الغضب إلى التحرك الجاد
إنّ مواجهة هذا الصلف لا تكون بالبيانات الهزيلة، بل بالتحرّك الجاد والجهاد في سبيل الله، والعودة المعرفية العملية للقرآن ليكون حاكمًا في الواقع لا مجرد كتاب تلاوة.
وهو الكفيل بإحباط مخططات الأعداء وتفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية الشاملة.
وهنا يتجلّى المفهوم الإيماني الأصيل للولاية والبراءة؛ فالولاية لله ورسوله وأعلام الهدى تقتضي البراءة الواعية والعملية من أعداء الله ومقدّساته، ومناهضتهم ومقاطعتهم، ومن والى أمريكا وإسرائيل فقد خسر ميزان القرآن.
سادسًا: موقف اليمن ومحور المقاومة
يتجلّى موقف شعب اليمن، يمن الإيمان والحكمة والجهاد، ومحور المقاومة، في ربط الدفاع عن القرآن بنصرة غزة وفلسطين والمسجد الأقصى، باعتبارها معركة وعيٍ وجودية، يتحدّد في ميزانها مصير الأمة.
المحور الثاني: الناس في الميزان القرآني… الهداية والتسخير وإقامة القسط:
حين يرد لفظ الناس في القرآن، لا يُفهم بوصفه توصيفًا بيولوجيًا، بل مفهومًا رساليًا في كونٍ متحرّكٍ كلّه. فالوجود قائم على الحركة، وكل مخلوقٍ يؤدّي وظيفته بهدايةٍ فطريةٍ منضبطة.
أما الإنسان، فهدايته مزدوجة:
هدايةٌ كونيةٌ بالتسخير، وهدايةٌ شرعيةٌ بالاختيار والتكليف.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [سورة البقرة: 184].
فالقرآن نزل في كونٍ منضبط ليهدي الإنسان إلى الانسجام مع هذا النظام، وإقامة القسط.
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة: 37].
الكون كلّه مسبّح، والإنسان وحده يملك خيار الانسجام أو الانحراف.
فالقرآن هو الميزان الذي يُحاسَب به، والناس في الميزان القرآني هم حملة الرسالة، والمكلّفون بإقامة القسط، والشهداء على البشرية بالحق، لا متفرّجين على صراع الحق والباطل.
ومن عمق هذا الميزان، تتجلّى بكّة (مكّة) المباركة، وجعلُ بيتِ الله الحرام قيامًا للناس ومصدرَ هدىً إلهيٍّ للعالمين: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: 96].
وهو الامتداد الحيّ للمسؤولية الإيمانية والحضارية التي تربط الأمة بمقدّساتها، وهو ما سنفرد له تناولًا تفصيليًا مستقلًا في مقامٍ لاحق، بإذن الله.
الخلاصة:
القرآن هو الميزان…ومن يسيء إليه إنما يعلن خصومته مع العدل، ويضع نفسه خارج موقع الإنسان الذي أراده الله: خليفةً مقيمًا للقسط… لا تابعًا للطغيان.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

