الشهيد عز الدين الحداد.. هندسة المقاومة وفلسفة الثبات
طوفان الجنيد*
اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد.
الحمد لله الذي يصطفي من عباده أولياءَ وإعلامَ هدى، والقائل سبحانه وتعالى:
﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
عندما نتحدث عن الرجال الصادقين والقادة الميامين، فإننا لا نستشفّ إلا صفات العظمة، ونستلهم الأخلاق الكريمة، والثبات، والاستقامة. فثمّة قادة لا يُقاس عمرهم بالسنين، بل بالبصمات الاستراتيجية التي يتركونها على وجه تاريخ المقاومة.
ومن هؤلاء الرجال، الشهيد القائد عز الدين الحداد (أبو صهيب)، قائد لواء غزة في كتائب القسام؛ أحد اعظم القادة الميدانيين وأبرزهم. رجلٌ لم يُدِر المعارك من غرف عملياتٍ معزولة، بل صاغ من بين الركام والخنادق ملامحَ حقبةٍ عسكرية وتاريخية جديدة في الصمود والتحدي.
انخرط "أبو صهيب" في العمل العسكري منذ ريعان شبابه، متدرّجًا في القواعد والمجموعات الضاربة، بفضل نبوغه الأمني والعسكري، وانضباطه الحديدي، وحسّه الميداني العالي.
وتولّى قيادة لواء غزة، ذلك اللواء الاستراتيجي الذي يضم أحياء الشجاعية، والزيتون، والتفاح، والدرج؛ وهو المحور الأكثر سخونة وتماسًا مع الاحتلال.
فنجح في تحويله إلى كابوسٍ بريّ، وصمّام أمانٍ حقيقي لقطاع غزة بأكمله.
عقلية التحصين الاستراتيجية المحكمة
يُعدّ "أبو صهيب" من المهندسين الأوائل لشبكة الأنفاق الدفاعية والهجومية المعقّدة. أشرف بنفسه على بناء هذه الاستراتيجية وتطوير هذا السلاح الاستراتيجي، ما وفّر للمجاهدين قدرة فائقة على التخفي، والمناورة، والإطباق على قوات النخبة المعادية من مسافة صفر.
إدارة المعارك والمطاردة:
عاش لسنوات طويلة مطاردًا، يتصدّر قوائم الاغتيال، ونجا من محاولات استهدافٍ مرئية وموجّهة. قاد بذكاءٍ فذّ معارك كبرى وعمليات تصدٍّ ملحمية، وكان يتابع تفاصيل الكمائن المحكمة، وإطلاق الرشقات الصاروخية ميدانيًا، تحت أعتى موجات القصف، بثبات القائد ويقين المؤمن.
القيادة الإنسانية ورباطة الجأش
تجلّت أصالة القائد "أبو صهيب" في التوازن الفريد بين الحزم العسكري واللين الإنساني؛ فكان سندًا للمقاتلين، وأخًا للمكلومين، وأبًا لعوائل الشهداء.
وفي أحلك ظروف الحصار، اتّسم برباطة جأش وهدوء استثنائيين، يفيضان طمأنينةً ويقينًا في نفوس المرابطين في الثغور. ولم يزده استهداف بيته، أو ارتقاء ثلّةٍ من أفراد عائلته شهداء، إلا ثباتًا وعزيمةً وإصرارًا على المضي في الطريق.
ختامًا:
إن الدماء الطاهرة للشهيد القائد أبو صهيب، وكل من سبقه من القادة العظام، تمثّل الإرث المؤسسي والتاريخي للمقاومة، والفكرة التي لا تموت، والأكاديمية العسكرية التي تتعلّم منها الأجيال الجهادية معنى الصبر، والتخطيط، والانتصار.
ترجّل الفارس شهيدًا بعد رحلةٍ حافلةٍ بالبذل والعطاء، لكنه لم يرحل قبل أن ينقل خبراته، ويغرسها في جيلٍ كامل من الكوادر الشابة، ويُسهم في بناء تراتبٍ عسكري لا يتأثر بغياب القيادات.
غاب "أبو صهيب" جسدًا، وتحول إلى نهجٍ عسكري، وإرثٍ حيّ، يتردّد صداه مع كل بندقيةٍ تُلعلع في وجه الأعداء، وتتأهّب نحو الحرية والتحرير.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

