هزيمة واشنطن في الحرب على إيران.. نقطة تحول نحو تشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب
السياسية - تقرير: نجيب هبه*
تمر العلاقات الدولية في الوقت الراهن بمرحلة إرهاصات لتحولات جذرية في النظام العالمي نحو نظام متعدد الأقطاب يقضي على هيمنة الأحادية القطبية التي سادت منذ عقود.
وستؤدي التحولات الجوهرية إلى إعادة رسم خريطة النفوذ والتوازنات الاستراتيجية على نحو غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، فبعد عقود من الهيمنة الأمريكية شبه المنفردة على مفاصل السياسة والاقتصاد العالميين، بدأت ملامح نظام أكثر تعددية في التشكل مدفوعا بتغيرات عميقة في بنية الاقتصاد والسياسة العالمية.
ويُعد ظهور دول ذات ثقل سياسي واقتصادي بعيدًا عن السيطرة التقليدية للغرب أحد مظاهر هذه التحولات، حيث ظهرت الصين وروسيا كأهم اللاعبين الدوليين في هذا الإطار.
كما ساهمتِ السياسات العدوانية الأمريكية تجاه عدد من الدول أهمها فنزويلا وإيران وفلسطين واليمن وكوبا بتسريع التحول نحو النظام العالمي الجديد.
وجاءتِ الزيارة الأخيرة لترامب إلى الصين لتكون بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير" حيث أظهرت ندية إن لم يكن تفوقا للتنين الصيني ، وهو ما اعتبره محللون تحديًا استراتيجيًا شاملًا لواشنطن.
أما العدوان الذي قامت به الولايات المتحدة إلى جانب شريكها الكيان الصهيوني على إيران، فقد انقلب وبالًا عليها، وأدى إلى ما يمكن اعتباره شوكة الميزان في سياق التحول العالمي نحو السيطرة المتعددة الأقطاب.
واعتبر محللون سياسيون فشل واشنطن في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب بأنه هزيمة فادحة ستؤدي إلى خلق ظروف جيوسياسية مختلفة تمامًا، ولن يعود معها الوضع إلى ما قبل الحرب بأي حال من الأحوال .
العدوان على إيران والتحول العالمي
في هذا السياق، قالت وكالة أنباء أهل البيت الدولية (abna) إنه يُنظر إلى العدوان على إيران عام 2026 بشكل متزايد على أنه عامل محفز رئيسي لنظام عالمي متعدد الأقطاب، مما يُسرّع الانتقال من الهيمنة الأمريكية نحو نظام عالمي مُجزّأ.
وأضافت في تحليل لها، أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" استهدفتا إيران باعتبارها العقدة المركزية "الهامشية" التي تربط القوى الأوراسية، إلا أن هذا العمل قد عمّق التحوّل نحو تكوين عالمي جديد متعدد المراكز.
واعتبرت أن ما وصفته بـ"العولمة المُجزّأة" المتسارعة، تقود العالم نحو إعادة هيكلة جذرية للاقتصاد العالمي، منتقلاً من نظام موحد قائم على الكفاءة إلى نظام قائم على "التحالفات مع الحلفاء" .
وأكّدت أنه "يتعين على العالم التعامل مع حقيقة المنافسات المحتملة عالية المخاطر، لا سيما بين الصين وروسيا في مواجهة التحالف الغربي". مشيرة إلى أن العالم يشهد تزايداً في اتفاقيات التجارة "الثنائية المصغرة"، حيث تُعمّق الدول المتحالفة مع الغرب علاقاتها التجارية مع شركاء مثل الهند والمكسيك، بينما تُعزز روسيا والصين شراكاتهما الاقتصادية.
من جانبه، أكّد القائد الأسبق للحرس الثوري، وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، محسن رضائي، أن الرئيس الأمريكي لم يدخل إلى بكين من موقع قوة، بل تحت وطأة الفشل الثقيل في الحرب مع إيران، وغادرها بالوضع ذاته.
وأضاف رضائي، في تدوينة على منصة إكس، رصدتها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن لجوء الولايات المتحدة إلى نفوذ الصين لاحتواء أزمة صنعتها بنفسها يعكس تشكل نظام عالمي جديد يُعيد بسرعة صياغة قواعد العلاقات الدولية، بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.
انتهاء مرحلة اليقين الإستراتيجي
الكاتبة سنية الحسيني، من ناحيتها، قالت إن إطلاق الولايات المتحدة عمليتها العسكرية ضد إيران دون أي تشاور مع حلفائها الأوروبيين، في ظل أزمة تمويل الناتو، التي افتعلها ترامب في ولايته الأولى، وأثيرت في ولايته الحالية، جاء ليعقد علاقة الحلفاء التاريخية. وقد هدّد بفرض حظر تجاري شامل على إسبانيا، بعد رفضها السماح لقوات أميركية بشن ضربات من قواعد على أراضيها.
وأضافت، في مقال لها على موقع (ميدل إيست أونلاين) ، أن ترامب أعلن عن سحب 5 آلاف جندي أميركي من المتمركزين في ألمانيا، في أعقاب تصريحات صدرت عن المستشار الألماني انتقدت مسار المعركة ضد إيران.
واعتبرت أن "مرحلة اليقين الإستراتيجي قد انتهت، وهي تلك التي سادت لعقود خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة، ولعل من الشواهد المهمة على ذلك، الموقف الذي اتخذته القوى الغربية، ورغم نتائج الحرب الأميركية على إيران، من ارتفاع التكاليف وزعزعة استقرار أسواق الطاقة، واضطرابات سلاسل التوريد، وتراجع الثقة في قواعد التجارة العالمية وحرية الملاحة، لم تتبع هذه القوى الرؤية الإستراتيجية الأميركية، كما العادة".
وأوضحت "كما يبدو أن السياسة الأميركية الغربية تجاه روسيا لردعها وإضعافها بعد الحرب على أوكرانيا لم تنجح، وبقيت روسيا قوة عالمية متماسكة".
إيران رمز المقاومة العالمية ضد الإمبريالية
إلى ذلك، وصف "الاجتماع الدولي لمناهضة الإمبريالية والفاشية"، الذي استضافته مدينة مكسيكو سيتي من 5 حتى 7 مايو 2026، إيران بأنها أحد المحاور الرئيسية للمقاومة العالمية ضد الإمبريالية الأمريكية.
ووفقا لوكالة الأنباء الإيرانية "إرنا"، اعتبر البيان الختامي للاجتماع الدولي، الهجمات التي تستهدف إيران، إلى جانب الحصار المفروض على كوبا والحرب على غزة والتدخلات في أمريكا اللاتينية هي نماذج للسياسات الأمريكية العدوانیة والمشعلة للحروب.
وأكّد المشاركون أن العالم قد دخل مرحلة من التحول التاريخي، مشددين على أن شعوبا مثل إيران وفلسطين وكوبا وفنزويلا تقف في الخطوط الأمامية لهذه المواجهة.
ويُعرّف هذا البيان إيران ليس فقط كقوة إقليمية فحسب، بل كأحد الرموز الرئيسية للمقاومة العالمية ضد النظام القائم على الهيمنة الأمريكية، ويرى منظمو الاجتماع أن تجربة إيران في مواجهة العقوبات والضغوط والحروب، تشكل جزءاً من مسار صياغة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب ، وهو نظام سيضع حدًا لحقبة الهيمنة الأمريكية المطلقة.
وجاء في الجانب التحليلي العسكري للبيان: إن العدوان الأخير على إيران أثبت أن الشعوب قادرة على إعداد نفسها لمواجهة الحروب التكنولوجية المتقدمة. وقد أدى هذا الأمر إلى ابتكار أنماط جديدة من الدفاع العسكري في ساحات القتال.
"هزيمة استراتيجية" لواشنطن
وفي هذا الاتجاه، أكّدت صحيفة "ذا أتلانتيك" الأمريكية أن "المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران قد تدخل مرحلة تعتبرها "هزيمة استراتيجية" لواشنطن، يصعب عكسها أو احتواء تداعياتها، مشيرة إلى أن أي نتائج عسكرية أو سياسية قد تترتب على هذا الصراع لن تكون قابلة لإعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقاً، سواء في الخليج أو على مستوى موازين القوى العالمية".
وأشارت الصحيفة، في مقال للكاتب روبرت كاغان، إلى أن "الولايات المتحدة لم تواجه في صراعاتها الحديثة خسارة استراتيجية بهذا العمق"، موضحاً أن تجارب مثل فيتنام وأفغانستان والعراق، رغم كلفتها العالية، لم تُحدث انهياراً دائماً في مكانة واشنطن الدولية، إلا أن الوضع الحالي مع إيران يحمل طابعاً مختلفاً قد يغير شكل النفوذ الأمريكي عالمياً". وفق ما نقل موقع "عربي 21".
وتابع الكاتب أن "أي هزيمة أمريكية في هذه المواجهة لن تكون مؤقتة أو قابلة للتدارك، بل ستؤدي إلى تحول جذري في توازن القوى، خاصة مع بروز إيران كلاعب رئيسي في منطقة الخليج، وتعزيز دور حلفائها مثل الصين وروسيا، مقابل تراجع واضح في النفوذ الأمريكي"، وفق تعبيره.
وأشار إلى أن محاولات واشنطن الحالية للضغط الاقتصادي، بما في ذلك حصار الموانئ الإيرانية، قد لا تكون كافية لإحداث انهيار داخلي، خاصة أن النظام الإيراني، أثبت قدرته على تحمل الضغوط العسكرية والاقتصادية دون تقديم تنازلات جوهرية.
ونقل كاغان عن خبراء في الشأن الإيراني أن النظام في طهران قد يخرج من المواجهة أكثر قوة، حتى في حال تضرر بعض قدراته العسكرية، وذلك بفضل احتفاظه بأوراق ضغط استراتيجية أبرزها التحكم في حركة الطاقة عبر مضيق هرمز.
تحالف عالمي
وفي سياق متصل، دعا الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أندرس فوغ راسموسن، إلى تشكيل تحالف عالمي جديد لمواجهة سياسات الولايات المتحدة.
وشدد راسموسن، قبيل انعقاد قمة كوبنهاغن للديمقراطية، على ضرورة ظهور تحالف جديد يضم "الدول الديمقراطية" ليكون قادراً على الوقوف في وجه أمريكا.
وأضاف راسموسن، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتصرف وكأنه يُبعد بلاده عن دورها الكلاسيكي العالمي.
كما قدم اقتراحاً بخطة اقتصادية مستوحاة من مبدأ الدفاع الجماعي لحلف الناتو، تنص على اعتبار أي هجوم اقتصادي على دولة عضو بمثابة هجوم على جميع الأعضاء.
وأشار راسموسن إلى الخلاف بين واشنطن والدنمارك بشأن جزيرة غرينلاند التي تديرها الدنمارك، واصفاً التهديدات بين الحلفاء بأنها غير مقبولة. وقال إن أكبر مخاوفه هو عدم القدرة على توقع سياسات إدارة ترامب.
نموذج جديد للعلاقات الدولية
يقول خبير العلاقات الدولية، طارق البرديسي، إن دعوة الرئيس الصيني ، شي جين بينج، لبناء نموذج جديد للعلاقات الدولية تعكس بداية مرحلة نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث لم يعد العالم تحت هيمنة قوة واحدة، بل يشهد تقاربًا بين الولايات المتحدة والصين لإدارة الصراع بدلًا من إنهائه.
وأوضح، خلال حديثه بقناة "إكسترا لايف"، أن المباحثات بين واشنطن وبكين لم تقتصر على الملفات الاقتصادية، بل امتدت إلى قضايا سياسية وأمنية مثل تايوان والتوازنات الجيوسياسية في آسيا والشرق الأوسط، مؤكدًا أن هذه الملفات مرتبطة بشكل مباشر بالاقتصاد العالمي، حسبما نقلت صحيفة الدستور المصرية.
وشبّه العلاقة بين القوتين العظميين بأنها كـ"فيلين عملاقين داخل غرفة زجاجية"، حيث أي صدام كبير سيؤدي إلى أضرار جسيمة على الاقتصاد الدولي.
وأشار البرديسي إلى أن ملف تايوان يمثل "العظمة في الحلق" بالنسبة للصين، التي تعتبر الجزيرة جزءًا من أراضيها، مؤكدًا أن تصريحات الرئيس الصيني أوضحت أن العودة إلى الصين ستكون بالتوافق أو بالقوة. وأكد أن مواجهة عسكرية مباشرة بين الصين وأمريكا أمر بعيد الحدوث.
فيما اعتبر الكاتب، القاسم محمد عبدالعظيم، أن الخارطة الجيوسياسية تشهد تحولات جذرية تدفعنا للتساؤل: هل أصبحنا بالفعل في نظام عالمي متعدد الأقطاب؟ الإجابة تكمن في تحليل صعود قوى عظمى جديدة، وتنامي دور لاعبين إقليميين فاعلين، وعجز المؤسسات الدولية عن الحفاظ على النظام القديم.
ورأى في تحليل نشرته مجلة السياسة الدولية، أن "الصعود الصيني لم يعد مجرد نمو اقتصادي، بل تحول إلى تحدٍ استراتيجي شامل للنظام الليبرالي الذي تقوده واشنطن. بداية من استغلال الأزمة المالية عام 2008، مرورا بإطلاق مبادرة "الحزام والطريق" التي أعادت رسم خارطة النفوذ الاقتصادي، وصولا إلي السعي لتعزيز مكانة اليوان كبديل للدولار وتقوية تحالفات مثل بريكس".
وحسب الكاتب، اتضح هذا الاتجاه خاصة بانعقاد قمة شنغهاي في سبتمبر 2025، التي أكد من خلالها الرئيس الصيني شي جين بينج، رغبته في إنهاء الهيمنة الأحادية على النظام العالمي، وإنشاء نظام عالمي أكثر عدلا وشمولا لا يقوم على القيم الغربية.
التحدي الروسي
وتابع عبدالعظيم أن "روسيا أوضحت عبر الحرب الروسية-الأوكرانية أنها عادت كقوة عظمى ترفض النظام القائم وتصر على وجود منطقة نفوذ خاصة بها، لذلك فالغزو الروسي ليس مجرد صراع حدودي، بل رفض صريح للتوسع الغربي (الناتو)، ومحاولة لإجبار العالم على الاعتراف بمكانتها كقطب دولي مهيمن".
وقال إن "العقوبات الغربية على روسيا في مجال الطاقة، وتجميد أصولها، وكذلك طردها من النظام البنكي "SWIFT" دفعها للذهاب شرقا، للالتفاف على تلك العقوبات والتعاون مع الصين وآسيا مما يشكل تحالفا متينا ضد الهيمنة الأمريكية".
سبأ

