بيت الله الحرام تحت الإرادة الملحدة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في الأزمنة الغابرة، وقبل وسائل النقل الآلية، كان العراق النقطة الأولى التي يلتقي فيها حجاج بيت الله الحرام القادمون من المشرق بأول الشعوب العربية، وكانت القبائل العربية هناك تتنافس فيما بينها لخدمة ضيوف الرحمن وإكرامهم والتناوب على تأمينهم، فيخرج الحجيج من العراق بانطباع عظيم عن العرب وكرم الضيافة فيهم حتى من غير المتَدَيِّنين، وهذه صفات العراقيين حتى اليوم، إلا أن انطباع الحجيج عن العرب يتلاشى بالتدريج مع تلاشي الحدود العراقية، حيث تنتظرهم قبائل أخرى محسوبة على العرب إلا أنها تتنافس فيما بينها على قطع الطرقات ونهب المسافرين وترى في الحج موسماً للتكسب اللاأخلاقي ولو على حساب ضيوف الرحمن أو حتى ضيوفهم، وقد وصفهم الله بالأعراب لتمييزهم عن العرب الأقحاح، ومن هؤلاء المجرمين تنحدر أسرة آل سعود غير الكريمة التي اعتاد أسلافها على الحرابة وقطع الطرقات ونهب المسكين وابن السبيل.
وقد وجد الإنجليز في هذه السلالة من الأعراب ضالتهم فدعموهم ومولوا سيطرتهم على الجزيرة العربية حتى أحكموا قبضتهم على بلاد الحرمين بقوة السيف وسلاح الإبادة، وكان شهر ذي الحجة من عام 1343هـ الموافق عام 1925م، أول حجٍّ تحت الهيمنة السعودية، ومنذ ذلك التاريخ لا يكاد يمر موسم الحج بلا مذابح ومجازر جماعية، وفي أحسن الأحوال يتحول ضيوف الرحمن إلى وسيلة للابتزاز والتكسب غير الأخلاقي، على غرار ما كان يفعله السلف السعودي من قبل، لتتحول الحرابة إلى دينٍ رسمي تشرعنه الفتاوى ومشايخ الضلال من دعاة الظلم وتقديس الجائرين.
والأسوأ هو أن مصالح آل سعود تقاطعت مع مصالح الصهاينة في العداء للإسلام ولحجاج بيت الله الحرام، وبدلاً من كون الحج خطوة لوحدة الأمة أصبح وسيلة لتفريقها والتحريض على الاقتتال فيما بينها وتكريس الاختلافات والفتن الطائفية، وهذا الغرض يتناقض مع مقاصد الحج التي منها توحيد الكلمة تحت راية التوحيد.
وهذا الموقف العدائي من بيت الله الحرام وشريعة الحج هو موقف ثابت لآل سعود ومنهج تقوم عليه عقيدتهم التدميرية، ولذلك تراهم يقفون بحقد ضد أي مناسبة من شأنها توحيد الأمة الإسلامية مثل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، على صاحبه وآله أفضل الصلاة والسلام، وما نراه في الحرمين الشريفين من تضييق على الحجاج وانتهاكات وتمييزٍ عنصري إلا وسيلة من وسائل التفرقة التي تخدم العدو الصهيوني في المقام الأول.
ولولا سيطرة آل سعود على الحرمين الشريفين ما بقي الحرم الثالث محتلاً من الصهاينة منذ أكثر من خمسين سنة، فالمؤامرة على فلسطين بدأت بإسقاط المشاعر المقدسة في مكة ثم المدينة، ومن هناك يعطل آل سعود أي مساعٍ إسلامية للجهاد وتوحيد الأمة ضد عدوها التاريخي والأبدي، وسيظل الأمر كذلك ما بقيت هذه الأسرة المتصهينة في سدانة الحرمين والتسلط على ضيوفه الكرام.
ولو أُسند الأمر لأهله لكان بيت الله الحرام منارة للعالم أجمع ومنبراً لتحريره من هيمنة الطغاة والمتجبرين، ففتوى جهادية واحدة من هناك كفيلة بدحر العدو الصهيوني من القدس الشريف، وكفيلة أيضاً بتحرير كل المستضعفين في العالم من نير الرأسمالية المتوحشة التي باتت اليوم ديناً ووثناً يُعبد من دون الله، وثقباً أسود يستعبد الشعوب ويمتص ثرواتها، ولعرف الناس عظمة الإسلام ودخلوا في دين الله أفواجاً، تماماً كما حدث في الزمن الرسالي يوم كان الإسلام العدو الأول للطغيان ولكل وسائل القمع والتفريق بين البشرية جمعاء.
أما ما نراه من ممارسات سعودية شوهت الإسلام والرسالة هي من الإلحاد الذي حذر منه الله في كتابه وتوعد مرتكبيه بالعذاب الأليم، لأن الأصل في بيت الله الحرام هو أن يكون قبلة للناس جميعاً وحاضنة لهم وليس لأي طرف الحق في منع الناس من الوصول إليه أو مضايقتهم وابتزازهم، ومثل هذا الإجرام لم يحدث حتى في زمن الجاهلية الأولى، فقد كان القرشيون يتسابقون على سقاية الحجيج وإطعامهم، علاوةً على تأمينهم داخل مكة وفي محيطها.
ولأن الله لا يخلف وعده، ولأن آل سعود قد أكثروا فيها الفساد، فإن العذاب الإلهي وشيكٌ لهذه الأسرة الظالمة ولكل من ساندها في قمع الحجيج وتعقيد وصولهم إلى البيت الذي جعله الله للناس جميعاً، وقد قال الله في ذلك الأمر: ﴿إِإِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً ٱلۡعَاكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٍ نُّذِقۡهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].
وعلينا أن نتذكر بأن الحج وغيره من الشعائر الإسلامية ليست طقوساً مفرغة، وإنما عقائد عملية من شأنها تغيير واقع الأمة إلى واقع الكرامة والحرية، ومن الظلم الاعتقاد بأن الوهابية والثقافة التي جاء بها آل سعود تمثل الإسلام الأصيل، لأن الإسلام دين التحرر من كل أشكال العبودية وأولها الشكل الذي أراده آل سعود وسعو إلى تعميمه وهو في الأصل الإسلام المضاد للإسلام، وأدة بيد الطغاة لاستعباد البشرية كلها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

