صلاح المقداد*

وبالرجوع إلى تاريخ العرب الحديث والمعاصر الذي تمكنت دول الإستعمار الغربي وعلى رأسها بريطانيا الملعونة في أخطر مراحله من فرض وتمرير اتفاقية سايكس / بيكو، ووعد بلفور الذي منح اليهود الحق في إقامة كيانهم المزعوم في فلسطين المحتلة في 1948م ، فسوف يكتشف القارئ اللبيب وهو يتصفح ذلك التاريخ وما شهده من أحداث عصفت بالمنطقة والعالم، أن بريطانيا والدول الإستعمارية الأخرى قد مهدت بتلك الإتفاقيات الطريق لإقامة ما يسمى كيان "إسرائيل" وزرعها في قلب المنطقة، بل وتعهدت برعايتها ودعمها وتمكينها من التوسع والتمدد على حساب دول عربية وإسلامية ، والحرص على أن تظل متفوقة وتكون هي الأكبر والأعظم والأقوى في المنطقة، بيد إن تلك الإتفاقيات المشبوهة سالفة الذكر قد شكلت حينها بداية إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق مصالح القوى الإستعمارية الكبرى في ذلك الوقت .

حيث تم بموجب اتفاقية سايكس / بيكو وغيرها تمزيق جغرافيا المنطقة وتزييف التاريخ وتفكيك الهويات الوطنية، لتصبح الشعوب العربية والإسلامية أمام واقع مفروض عليها لا مجال لرفضه ولا طاقة لديها لمقاومته، والأخطر أنه لم تكن للشعوب العربية في ذلك الوقت قدرة على التأثير وحتى تحقيق ما تصبو إليه.

وقد نجحت بريطانيا وشركائها وحلفائها الغربيين الآخرين إلى حدٍ بعيد في أعقاب احتلالها للمناطق العربية التي كانت تحت حكم العثمانيين بعد فرض الإنتدابات عليها ، في رسم الحدود المُصطنعة بين الدول والشعوب العربية، وتحديد المصائر بعيداً عن إرادة شعوب المنطقة الحرة ومصالحها العليا .

واللافت بحسب أكثر من محلل سياسي مهتم بشؤون المنطقة وما يجري فيها على مدى الثلاث مائة سنة الأخيرة تحديداً ، فإن مجمل الصراعات الحدودية والسياسية والإجتماعية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط اليوم أو في الأمس القريب جاءت استمراراً لتلك المؤامرات الإستعمارية وقرارات دول الإستعمار الأوروبي التي صدرت خلف الأبواب المغلقة خلال فترتي الحربين العالميتين الأولى والثانية وما أعقبها من أحداث وتغيرات وكانت بعيدة عن عيون العرب، حتى بدأ العرب وكأنهم الغائب الوحيد عن مجمل ما جرى ويجري وكأن شيء لا يعنيهم ليجدوا أنفسهم مُطالبين بالقبول بكل ما يُفرض عليهم من الخارج والتعامل معه برضا وانصياع مُذل ! .

فضلاً عن ذلك فإن تلك الإتفاقيات المبرمة بين دول الإستعمار الغربي في أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى وهزيمة تركيا ، قد أدت لاحقًا إلى فرض واقع جديد على المنطقة ودولها وشعوبها سمح بإستيعاب اليهود وإيجاد وطن قومي لهم في فلسطين وتمكينهم من إقامة "كيان" وظيفي يتبع الغرب ويخدم مصالحه، فمنذ اعلان الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين عام 1948م لم تدخر بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة على وجه التحديد جهداً في تقديم الدعم والمساعدة لـ"إسرائيل" وابداء الحرص بل والتعهد بحمايتها وابقائها متفوقة على العرب في كل شيء، وصولاً إلى مساعدتها اليوم في تحقيق حلمها ومشروعها الإستعماري المزعوم بإسم " إسرائيل الكبرى" الذي من شأنه في حالة تحقيقه أن يغير ويُعيد رسم خارطة المنطقة من جديد ويدخل تعديلات كثيرة على ما تضمنته اتفاقية سايكس / بيكو التي سبق وقسمت المنطقة بين المستعمرين لقرون من الزمان .

وعلى صلة بموضوع مشروع "إسرائيل الكبرى" يتأكد للجميع يومًا بعد آخر بأن "إسرائيل" لا ولن تكتفي بما حققته منذ مرحلة الإنشاء والتأسيس حتى اللحظة، وهي تسعى جاهدة بكل ما أوتيت من قوة مُستفيدة من الدعم الغربي اللا محدود لها للتوسع والهيمنة على المنطقة برمتها، لا سيما وأنه يوجد في الواقع ما يشجعها ويحفزها كثيراً لتحقق وتفرض ما تريده ولا حساب عليها ولا عقاب على ذلك .

وانسجامًا مع تطلعاتها اللا محدودة فإن هذه الكيان اللقيط الذي أنشأها المستعمر الغربي في قلب المنطقة كمصدر اقلاق واشغال لدولها وشعوبها ، فإنها لا ولن يعترف بأي حدود مع بعض الدول العربية التي تُحيط به، طالما وفي نيت الكيان الغاصب التمدد والتوسع ما أمكنه ذلك .

وقد لخص هذه الحقيقة زعيم المعارضة الإسرائيلية الذي قال في تصريحات له بهذا الخصوص : "إن عقد ملكيتنا على أرض إسرائيل هو الكتاب المقدس وبالتالي الحدود هي حدود الكتاب المقدس" .

وأكد دعمه لخطط "إسرائيل الكبرى" التي تتبنى الإستيلاء على المنطقة العربية برمتها من نهر الفرات في العراق حتى النيل في مصر " .. مُعتبراً الأراضي العربية والإسلامية التي تعتزم الإستيلاء عليها واحتلالها جزء لا يتجزأ من أراضي ما سماه "شعب الله المختار" وما يسميه الصهاينة "أرض الميعاد" حسب مزاعمهم بالحصول عليها وتملكها ونزعها من مالكيها وأصحابها الحقيقيين، والغريب أن مثل هذه الخزعبلات والدعاوى والترهات الصهيونية الباطلة تلقى من يصدقها في الغرب ولها أصداء ونوع من القبول لدى الذين طبعوا مع إسرائيل من العرب والمسلمين، وصاروا يظهرون تحيزاً للموقف الإسرائيلي ، ويتبنون وجهة نظر تل أبيب وسردياتها الكاذبة فيما يتعلق بجرائم حربها للشعب الفلسطيني في قطاع غزة ، ويصفون أبطال المقاومة من حماس والجهاد وغيرهم بالإرهابيين والمخربين كما يصفهم أسيادهم في تل أبيب .

* المقال يعبر عن رأي الكاتب