السياسية || محمد محسن الجوهري*

تتجه الأوضاع في المحافظات الجنوبية المحتلة نحو تصعيد سياسي وميداني لافت، حيث يستعد المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتياً، لتدشين سلسلة من الفعاليات الشعبية والعسكرية الواسعة تزامناً مع الذكرى التاسعة لتأسيسه.

وتأتي هذه التحركات كخطوة استراتيجية تهدف إلى تقويض "الهيمنة السعودية" التي أحكمت قبضتها على الملف الجنوبي منذ التحولات السياسية في ديسمبر 2025، حيث يسعى الانتقالي من خلال هذا "الصيف الساخن" إلى إعادة خلط الأوراق والاحتجاج على محاولات التحجيم التي تعرض لها عبر دعم الرياض لقوى عسكرية موالية لحزب الإصلاح، الحليف التقليدي للرياض في اليمن.

تأخذ هذه الفعاليات المعلنة طابع "حرب الاستنزاف السياسية"، حيث يهدف الحشد الجماهيري المقرر انطلاقه من عدن في 4 مايو والامتداد بشكل يومي ليشمل كافة المحافظات الجنوبية إلى خلق حالة من الإرباك الدائم لغرف العمليات السعودية.

وهذا التكتيك القائم على "تشتيت الردع" يعتمد على توزيع زخم الاحتجاجات جغرافياً وزمنياً، مما يجعل من الصعب على القوات المدعومة سعودياً، مثل "درع الوطن"، احتواء التصعيد في نقطة واحدة دون انفجاره في نقاط أخرى. ومن خلال هذه السلسلة المتواصلة، يسعى المجلس الانتقالي إلى فرض "أمر واقع" شعبي محولاً الذكرى التاسعة لتأسيسه إلى أداة ضغط ميدانية لانتزاع المكاسب وإثبات أن مفاتيح الاستقرار في الجنوب لا تزال بيد القوى المتحالفة مع أبوظبي، وليست رهينة للتمكين السعودي الأخير.

السعودية من جهتها، استبقت التصعيد بحملات أمنية واسعة خاصة في وادي حضرموت حيث منعت أنصار الانتقالي من التجمهر وأغلقا مقراً للمجلس في مدينة سيئون واعتقلت الموظفين رغم التفاهمات المسبقة في المحافظة بين السلطة المحلية وأنصار الانتقالي، ما يعكس أن التوجيهات بإغلاق المقر نابعة من سلطات أعلى من الجانب المحلي، أو من تلك التابعة رأساً للقيادة السعودية في المحافظة.

هذا الرفض يعكس رغبة القوى المدعومة إماراتياً في الحفاظ على استقلاليتها العسكرية كـ "أوراق قوة" ميدانية بعيدة عن الهيمنة السعودية المركزية. وبذلك، يجد المحور السعودي نفسه أمام جبهتين متزامنتين من الممانعة: الأولى شعبية وسياسية يقودها الانتقالي في المحافظات الجنوبية، والثانية عسكرية ومؤسسية في الساحل.

ملامح المشهد المعقد في الساحل الغربي سببها التحول الدراماتيكي في موقف المرتزق طارق صالح؛ فبالرغم من أن قواته أُنشئت أساساً بتمويل وإشراف إماراتيين لتأمين الملاحة الصهيونية المرتبطة بالبحر الأحمر، إلا أن انشقاقه المفاجئ عن أبوظبي والتحاقه بجبهة الرياض خلال أحداث ديسمبر الماضي قد أحدث زلزالاً في خارطة الولاءات. وهذا التحول منح الرياض، ومعها حزب الإصلاح، فرصة ذهبية للانقضاض على هذه القوة العسكرية ومحاولة صهرها ضمن قوام الميليشيات الموالية للسعودية، مستغلين حالة "الانكفاء الإماراتي" الاضطراري بسبب انشغالها بتداعيات الحرب في الخليج.

وتبدو الرياض اليوم في سباق مع الزمن لتثبيت هذا الاستقطاب وضم قوات الساحل رسمياً قبل أن تطرأ أي تقلبات جديدة في موقف "عفاش" أو يتبدل ميزان القوى الإقليمي، مما يجعل من الساحل الغربي والجنوب جبهتين متداخلتين في صراع النفوذ المحتدم بين الأجندات المتضاربة.

ومع كثافة التحشيد والضخ المالي السعودي، بيد أن الكفة لا تزال تميل لصالح الإمارات لسببين جوهريين؛ الأول هو الفشل السعودي في اجتثاث المجلس الانتقالي الجنوبي، فبالرغم من القرارات الصادرة بحله سياسياً وعسكرياً، إلا أن الواقع يثبت أن الانتقالي لا يزال هو الأقوى على الأرض، مما يجعل أي محاولة لتجاوزه اصطداماً مباشراً مع كتلة بشرية صلبة.

أما السبب الآخر، فيكمن في الطبيعة الأيديولوجية للقوات المتمركزة في المخا والساحل الغربي، والتي تمت تعبئتها سياسياً وعقائدياً على مدار سنوات ضد حزب الإصلاح (الإخوان المسلمين). وهذا العداء المتجذر يضع الرياض في مأزق استراتيجي، فهي لا تملك بديلاً ميدانياً قادراً على بسط الهيمنة المطلقة سوى حزب الإصلاح، وهو البديل الذي يواجه رفضاً قاطعاً ومقاومة شرسة من الفصائل المسلحة في الساحل والجنوب على حد سواء، مما يبقي النفوذ السعودي هشاً أمام القوى التقليدية المرتبطة بأبوظبي.

يمكن القول إن الإمارات تستعد لتوجيه ضربة استراتيجية موجعة للنفوذ السعودي في اليمن، وهي ضربة قد تضع الرياض أمام مشهد من الهزيمة الوجودية التي تعيد إلى الأذهان انكسار الإمبراطورية البريطانية في الستينيات من القرن الماضي. ففي حال فقدت السعودية قبضتها على المحافظات الجنوبية وميناء المخا الاستراتيجي، فإنها ستخسر نفوذها الإقليمي وستواجه زلزالاً يضرب مكانتها كقوة قائدة في المنطقة؛ تماماً كما كان للهزيمة البريطانية في اليمن أثر الدومينو الذي عجل بتفكك هيمنتها العالمية، محولاً إياها من إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس إلى دولة متوسطة التأثير ومنكفئة على حدودها.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب