السياسية || محمد محسن الجوهري*

ستسمع في الأخبار الاقتصادية بأن الدين الاتحادي الأمريكي تجاوز 34 تريليون دولار، أي 34 ألف مليون دولار، وهذا الرقم خيالي جداً ومن الصعب على الحكومة الأمريكية الوفاء به لأنها مستمرة في سياسة الدين بنسبة يومية تقدر بنحو 3.85 مليار دولار، والرقم مرشح للزيادة في المستقبل القريب بسبب زيادة الإنفاق العسكري جراء العدوان على إيران.

ينشأ الدين الأمريكي العام عندما تنفق الحكومة الفيدرالية أموالاً أكثر مما تحصله من إيرادات في سنة مالية واحدة، ولتغطية هذا العجز، تقوم وزارة الخزانة الأمريكية بإصدار "سندات وأوراق مالية" (Treasury Securities) لبيعها للمستثمرين. هذه السندات هي عبارة عن وعود بسداد المبلغ المقترض مع الفائدة في وقت لاحق، وحتى تتمكن من السداد ولو بشكلٍ جزئي تفرض الدولة زيادة في الضرائب على المواطنين والمشاريع التجارية المتوسطة.

أغلب القروض تعود لبنوك تجارية تملكها عائلات يهودية مثل عائلة مورغان وروكتفيلر وروتشيلد وغيرها، حيث تقوم هذه المؤسسات بتقديم الديون للحكومة الأمريكية مقابل فائدة ربوية معينة تتضاعف مع مرور الوقت، وبالتالي فإن الدين الفعلي الذي اقترضته الحكومة الأمريكية أقل بكثير من الديون المعلنة، ويعتبر الدين الأمريكي "محرك" الاقتصاد المصرفي لأن سندات الخزانة تُعتبر الأصول الأكثر أماناً في العالم، لكن استمرارية نموه السريع تثير قلقاً كبيراً حول استقرار النظام المالي الدولي على المدى الطويل.

إصدار السندات نفسها فيه مغالطات كبيرة، فوزارة الخزانة الأمريكية تصدر سندات الأوراق المالية ولكن لا تبيعها مباشرة للشركات والأفراد، ولكن عبر وكلاء يُعرفون باسم "الوكلاء الأوليون" وهم مجموعة من البنوك والمؤسسات المالية الكبرى (مثل JPMorgan Chase وGoldman Sachs) التي يُسمح لها بالمشاركة مباشرة في مزادات الخزانة.

وهذه المؤسسات مملوكة للعائلات اليهودية المعروفة باحتكار السوق المصرفي الأمريكي، ويلتزم هؤلاء الوكلاء بشراء حصص كبيرة من السندات ثم إعادة بيعها للمستثمرين الأفراد، أو الصناديق السيادية، أو البنوك المركزية الأجنبية، أي أن هذه المؤسسات تحصل على نسبة كبيرة من الأرباح دون أن تخسر شيء باحتكارها للدين السيادي الأمريكي، وهذا الاحتكار يمنحها أيضاً نفوذاً هائلاً داخل أروقة الحكومة الأمريكية.

هذا النظام يفسر لماذا لا تستطيع الإدارة الأمريكية (سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية) الخروج عن إرادة "وول ستريت". هنا يتقاطع الاقتصاد بالسياسة، فهذه البنوك تمول استمرار "الهيمنة" مقابل بقاء النظام الربوي العالمي قائماً ومزدهراً، وهي التي تضمن بقاء التمويل مفتوحاً للمشاريع الاستعمارية والعسكرية (بما فيها دعم إسرائيل) لأنها ببساطة هي من يدير "حركة المال".

وفي هذه الدوامة، يتضاعف الدين الأمريكي سنويًا، ويتضاعف معه حجم الضرائب المفروضة على المواطنين، وليس لأحدٍ الحق في انتقاد هذه السياسة؛ لأنها مُقدسة في الإعلام والقضاء، وسلطتها تعلو فوق سلطة البيت الأبيض. ولا سبيل للخلاص من هذه الهيمنة إلا بثورة فكرية وشعبية تقتلع جذور النظام الرأسمالي الذي استعبد الإنسان بسلطة الدَّين.

السؤال هنا: ماذا لو تبنى الشعب الأمريكي سياسة اشتراكية لتأميم الاقتصاد ومصادرة البنوك والمؤسسات المالية لصالح الدولة بدلاً من بقائها كسلطة أعلى تهيمن على الدولة والشعب معاً؟

مما لا شك فيه أن زوال هذه الدوامة سيؤدي حتماً إلى انتهاء معاناة الشعب الأمريكي، ومعها ستتلاشى آلام الاقتصاد العالمي الرازح تحت وطأة هيمنة 'البترودولار' والسياسات الجائرة؛ حيث سينطوي كابوس الدين العام الذي أثقل كاهل المواطن والإنسانية جمعاء، وتندثر معه سياسة 'المتاجرة بالديون' التي تمثل القلب النابض للاقتصاد الربوي العالمي.

إن الثورة على الرأسمالية المتوحشة هي السبيل الوحيد نحو الخلاص ، واستعادة الشعب الأمريكي لوسائل الانتاج والقرار المالي من يد قلة من المصرفيين؛ فتبني اقتصادٍ اشتراكي قائم على العدالة والتوزيع المتكافئ للثروة يعني تحويل البنوك من أدوات للاستعباد الدائن إلى مؤسسات لخدمة المجتمع، وتوجيه فوائض الإنتاج لضمان الرعاية الصحية والسكن والتعليم بدلاً من تمويل الحروب العبثية وحماية أرباح شركات السلاح.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب