السياسية || محمد محسن الجوهري*

في الماضي، كان شاه إيران يحكم المحميات الخليجية بالحديد والنار، فقد كان بوليس أميركا في الشرق الأوسط، وكانت كل دول الخليج تحت حمايته، ولا يحق لحكامها أن يكون لهم موقف خارج الإرادة الشاهنشاهية. كما أن التنمية الخليجية كانت محدودة بسبب الرفض الإيراني لتمدّن تلك الدول، وكان الأجدر بزعمائها أن يساندوا الثورة الإسلامية في إيران؛ لأنهم المستفيد الأول من سقوط الشاه وانتهاء زمن الوصاية الفارسية على الخليج.

لكن للأسف، فإن الأنظمة الخليجية أساءت استخدام هذه المساحة التي أتاحها سقوط الشاه، فلم تتجه إلى بناء علاقات متوازنة مع إيران الجديدة قائمة على المصالح المشتركة وحسن الجوار، بل ردّت على التحول الإيراني باختلاق الأزمات، وتغذية بؤر التوتر، ودعم مسارات الفوضى السياسية والأمنية بما يخدم المشروع الصهيوني في تطويق إيران واستنزافها من الداخل. وبدل أن تكون هذه الأنظمة جزءًا من منظومة إقليمية مستقلة، تحولت إلى أدوات ضغط ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى نقل الصراع إلى الداخل الإيراني، وإشغال الدولة بمشكلاتها الداخلية، وإضعاف قدرتها على لعب دور إقليمي فاعل. والنتيجة الطبيعية لهذا النهج هي ما نشهده اليوم من فوضى منظمة ومحاولات مستمرة لزعزعة الاستقرار الداخلي في إيران، عبر أدوات متعددة تتجاوز الخلاف السياسي إلى استهداف البنية الاجتماعية والاقتصادية. وفي ظل هذا الواقع، ترى إيران أن حماية أمنها الداخلي لا يمكن أن تتحقق بالاكتفاء بردود الفعل أو بسياسة الاحتواء، بل بفرض معادلة ردع سياسية وإقليمية تجعل كلفة العبث بأمنها أعلى على الأطراف الراعية لهذه الفوضى، وتعيد الصراع إلى مربعه السياسي بدل تركه يُدار داخل حدودها.

وإذا كان لإسرائيل الحق، برأي زعماء الخليج في التدخل في الشأن العربي بذريعة حماية أمنها القومي، فإن لإيران الحق كل الحق في إعادة الموازين داخل دول الخليج ردًا على عبثها المتعمد بأمنها القومي واستقرارها الإقليمي. فالدول الخليجية، التي مارست دور المعتدي والعابث بالأمن الإيراني عبر دعم الأزمات والفوضى، تتحمل المسؤولية المباشرة عن تدهور العلاقات وزيادة التوترات، وهي بذلك تجعل من الواجب الأخلاقي والسياسي على إيران أن تحمي أمنها القومي بكل الوسائل المشروعة، بما يشمل مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وإعادة فرض معادلات الردع التي تضمن عدم استباحة سيادتها وأمن شعبها. وفي هذا السياق، يصبح الرد الإيراني ليس مجرد حق، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومنع أي طرف من استغلال الفوضى لتحقيق مصالحه على حساب أمن المنطقة بأكملها.

ولا يقتصر الأمر على مجرد مواجهة التدخل المباشر، بل يشمل أيضًا إعادة ترتيب الموازين الإقليمية بطريقة تمنع أي طرف من استغلال نقاط الضعف الإيرانية لصالح أجنداته الخاصة. فالتاريخ يعلّم أن أي تساهل مع العبث الأمني والسياسي يفتح المجال أمام تصعيد مستمر، واستنزاف الموارد الوطنية، وخلق بيئة صراعية لا تنتهي. ومن هنا، يصبح من حق إيران تطوير أدواتها الدبلوماسية والسياسية والإعلامية، والعمل على كشف النفوذ الخليجي في الداخل العربي، بما في ذلك أذرع الدعم المالي والسياسي للفوضى، وفرض قواعد جديدة للعبة الإقليمية تجعل من استهداف أمنها القومي أمرًا مكلفًا وغير مربح لأي طرف، سواء كان حليفًا سابقًا أو خصمًا مباشرًا. هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى الرد، بل إلى ترسيخ معادلة تحمي سيادتها وتوازن القوى في المنطقة، وتذكّر الجميع بأن أمن إيران لا يمكن تجاوزه أو المساومة عليه.

في النهاية، يظهر أن التدخل في شؤون الدول لا يبقى بلا رد، وأن العبث بالأمن القومي يخلق حقًا طبيعيًا للرد. إيران، أمام التحديات الخليجية والإسرائيلية، ليست مجبرة على الصمت، بل ملزمة بحماية سيادتها واستقرارها الداخلي. الرد الإيراني ليس مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية لإعادة الموازين وتحقيق الردع. ومن يزرع الفوضى لا يمكن أن يتوقع الأمان على مصالحه. وهكذا، تصبح المعادلة واضحة: احترام السيادة والأمن القومي شرط أساسي لأي استقرار إقليمي حقيقي.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب