السياسية || صلاح المقداد*

أنْ تُنَصِب أمريكا المُجرمة الطاغية من نفسها وصيةً على هذا العالم، والمُتحكم بأمره ومصائر دوله وشعوبه، وأن ترى الملعونة ذاتها المُتغطرسة بأنها صاحبة الحق المُطلق والوحيد في تصريف شؤون الدول والبلدان والحكومات، وبأنها وحدها الآمِر الناهِي، وآلهة هذا الكون والقاهِر فوق عباده، ولا ينبغي أو يجوز لأحد أن يُخالف أمرها ويُعارض إرادتها ومشيئتها، وإن مشيئتها من مشيئة الرب، وإلا حلت عليه نقمتها وغضبها واستحق عذابها، فهذا لعمري ما يفوق كل الإحتمالات والتصورات، بل ويُخالف كل فطرة سليمة، ولا يمكن تقبله والسكوت عليه والرضوخ له، والتسليم بمُقتضياته بأي حالٍ من الأحوال .

لأنهُ لا يحق لدولة أو قوة ولا لأي مخلوقٍ كان في الكون، أن يُنازع الله في ملكه ويدعي لنفسه الألوهية والربوبية في الأرض، ويُمارس دور الرب والخالق لهذا الوجود، وما فيه.

والذين يُعظمون من شأن أمريكا ويعطونها حجمًا أكبر من حجمها، ويخافون من بطشها وسخطها لما تملكه من قوى وامكانيات ضخمة مادية سواء كانت إقتصادية أو عسكرية، ليسوا سوى ضعاف إيمان ونفوس، ولو نظروا مليًا وتأملوا حقيقتها لوجدوها برغم تفوقها العلمي والعسكري وتقدمها الصناعي وغناها وثراها ونفوذها وإستكبارها ، ولبدت لهم أضعف من قشة ، لكنهم لا يجرأون أن ينظروا إليها كذلك ، وليست لديهم الشجاعة الكافية لأن يرونها على حقيقتها ، طالما لديهم قناعات قوية ترسخت سلفًا بأن أمريكا كما تبدو بنظرهم كبيرة وعظيمة ، وهُم مُجرد أقزام صغار وعبيدٍ وغلمان لها ، وأصغر وأضعف من أن يواجهوها ويقفون في وجهها كند، علاوةً على ذلك فهؤلاء هم أنفسهم من ضخموا أمريكا ويعظمونها ويُؤلهونها ويُسبحون بحمدها آناء الليل وأطراف النهار، وهم ذاتهم من يُدينون لها بالولاء والطاعة، ولا يملكون الحق والحرية والجرأة لعصيانها والخروج عليها والكفر الصريح البواح بهذا الصنم المعبود من دون الله الذي يُسمى ( أمريكا ) .

ولهذا وغيره من الأسباب تجد أمثال أولئك العبيد والأذناب الخانعين لأمريكا وللغرب وأطنابهم من عداد الجبناء في هذا العالم، سواءً كانوا دولاً أو شعوبًا، أو أفراداً، وجميعهم يعيشون حياة المهانة والمذلة، حيث تفرض عليهم أمريكا كقوة مستكبرة ومُتجبرة في الأرض ما تُريد وتوجههم كيفما تشاء، وهي ربهم الأعلى وهم لها خاضعون طائعون وفي عينها من الصاغرين المهينين الذين لا وزن لهم ولا حجم ولا إعتبار، ولا هم يحزنون! .

بيد أن هناك في المقابل دول وحكومات وشعوب، وحتى جماعات وأفراد أحرار في هذا العالم لا يمكن أن يقبلون بحياة المهانة ويرضون بعيش الخنوع، ولا يرى أحداً من هؤلاء الأحرار الأباة أمريكا عظيمة ولا كبيرة، ولا يهابونها، ومنهم من لهم ملاحم بطولية معروفة ومشهودة في محاربتها ومنازلتها في مواطن مشهورة، مرغوا فيها أنف أمريكا وكبريائها في الوحل وأذاقوها مرارة الذل والهزيمة، واجبروها قواتها في معارك معهم على الفرار .

ومن أمثلة ذلك ما حدث للولايات المتحدة هذه في فيتنام وأفغانستان ولبنان وفي غزة واليمن والصومال، وغيرها من البلدان، حيث لقت القوات الأمريكية النخبوية التي تتفاخر بها واشنطن بأنها قوات لا تهزم، لقت في تلك البلدان وبال أمرها وتجرعت كؤوس الهزائم والمهانة على أيدي من تفوقهم عدةً وعتادا.

ولا غرابة في أن تنكسر قوة عظمى كأمريكا في تلك المواطن والمعارك، فالمسألة هنا ليست مسألة تفوق عسكري وامتلاك قوات ردع استراتيجي، بل المسألة مسألة إرادات حرة وكرامة وثبات وعقيدة إيمانية وقتالية في مناجزة الباطل الذي تمثله أمريكا ومن معها بالنسبة لمن ثبتوا وسيثبتون دومًا في وجهها، ولا يخافون أن تنزل بهم النازلة الماحقة إن هم واجهوها وتصدوا لها.

ومما يتوجب أن يترسخ في ذهن كل حر وشريف في هذا العالم، وفي أذهاننا كعرب ومسلمين بوجه خاص، إن أمريكا التي بدأت تاريخها بجرائم واستهلت وجودها بآثام وفظائع لا تحصى ضد الإنسانية، لا تزال هي ذاتها أمريكا الشيطان الأكبر في هذا العالم، وأم الإرهاب وأبوه وصاحبته وفصيلته التي تأويه، ومصدر كل شر وقلق لدول العالم .

وقد أثبتت هذه الإمبراطورية الإستعمارية الملعونة للعالم أجمع أنها كانت ولا تزال عدواً مبينا للإنسانية التي تدعي زوراً وبهتانًا احترام حقوق من ينتمون إليها عبر عقود وقرون من الزمان، وهي المُنتهك الأول لحقوق الإنسان في أكثر من بلد ومكان على ظهر البسيطة.

ومنذ مرحلة النشأة والتأسيس وحتى اللحظة، والولايات المتحدة الأمريكية تُمارس هوايتها المُفضلة في غزو البلدان الضعيفة وشن الحروب عليها ونهب خيراتها وسرقة ثرواتها، وتواصل تدخلها الفج في شؤون الدول والشعوب وتفرض وصايتها عليها، وتؤكد للجميع مدى إستكبارها وغطرستها ووحشيتها وتنمرها وتفرعنها وطغيانها وبغيها على هذه الدولة أو تلك، والمضي قُدمًا في القيام بأعمال الشر والإرهاب المنظم هنا وهناك بحجج واهية ومبررات ودعاوى باطلة، وترى أن من لم يكن معها فهو ضدها وعدوها، وتحل نقمتها وغضبها عليه، وتحشد من تحشده من الأعوان والمؤيدين لسياستها الإستعمارية لإستهدافه، وتُصنفه ضمن الأشرار والإرهابيين.

ولو رجعنا إلى سجل أمريكا الإجرامي وتاريخها الأسود، لوجدناه حافلاً ومليئًا بشتى أنواع الجرائم بحق الدول والشعوب والأفراد والجماعات التي تنتمي إلى هذا العالم وإنسانيته المعذبة بمثل هذه القوة الغاشمة.

وآخر ما ارتكبته أمريكا من جرائم، إقدامها مع سبق الإصرار والترصد على سرقة النفط الفنزويلي من عرض البحر عن طريق أعمال القرصنة والسرقة بالقوة لناقلات نفط فنزويلي ومصادرتها، ثم العدوان المباغت جواً وبحراً وبراً على دولة فنزويلا واختطاف رئيسها وزوجته من منزلهما في العاصمة كاراكس فجر 3 يناير الجاري ونقلهما إلى نيويورك، وتقديهما للمحاكمة بتهمة الإتجار بالمخدرات، وبهذا جعلت أمريكا من نفسها قاضياً وخصمًا في نفس الوقت، وتجاوزت بفعلتها الشنيعة هذه بالإعتداء على دولة مستقلة ذات سيادة الأمم المتحدة وما يسمى بالشرعية والقانون الدوليين، وهذا هو دأب المستكبرين وديدنهم على الدوام، وما فعلته أمريكا لا يخرج عن هذا الإطار أو السياق !.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب