السياسية - وكالات:


في غزة، لا تُقاس الإصابات بكمية الدم النازف، بل بما يختبئ داخل الجسد من وجعٍ صامت. محمد شادي بدوي، فتى لم يبلغ الثامنة عشرة بعد، يحمل في جمجمته شظايا صغيرة، لكنها ثقيلة بما يكفي لتقيّده بالخوف وتسرق منه أبسط تفاصيل الحياة.


نجا محمد من الموت، لكنه لم ينجُ من تبعات الحرب الصهيونية التي لاحقته حتى في مكان ظنه ملاذًا آمنًا، لتبدأ قصته مع الألم والانتظار داخل خيمة لجوء لا نهاية لها.


لم يكن محمد يعلم أن نزوحه مع عائلته من حي الزيتون شرق مدينة غزة، هربًا من العدوان الصهيوني، إلى إحدى مدارس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في خان يونس، سيغيّر مجرى حياته بالكامل. فالمدرسة التي لجأوا إليها بحثًا عن الأمان، تحولت إلى محطة خوف جديدة.


يروي والده التفاصيل بمرارة لـ"فلسطين أون لاين" قائلًا: «الوضع كان مأساويًا.. كنا نعتقد أن المدرسة أكثر أمانًا، لكن القصف كان يقترب يومًا بعد يوم».


ويستذكر اللحظة التي سبقت إصابة ابنه: «نزل الجميع إلى ساحة المدرسة لأنها منخفضة، حسبناها أكثر أمانًا من الغرف، وفجأة قُصف مبنى قريب رغم أنه كان فارغًا».


سقطت القذيفة بالقرب منهم، وتناثرت الشظايا في الساحة المكتظة، قبل أن يعلو صراخ محمد: «يابا الحقني.. أنا مش قادر أقوم». هرع والده إليه، لم يلحظ نزيفًا واضحًا، سوى دمٍ خفيف بالكاد يُرى، لكنه أدرك أن شيئًا خطيرًا قد حدث.


يقول الأب: «ما كنت أعتقد أنها إصابة خطيرة، لكن محمد لم يكن قادرًا على الحركة، صوته كان مكسورًا، وعينه لم تكن طبيعية». وبسبب القصف الصهيوني المتواصل وانقطاع الطرق، لم يتمكن من نقله إلى المستشفى، فبات محمد ليلته في المدرسة، بين الوجع والخوف.


وتضيف والدته بصوت يثقله العجز: «ما قدرنا نسعفه.. القصف في كل مكان، قضينا الليل نراقبه خوفًا من أن يسوء وضعه».


مع بزوغ الفجر وتراجع القصف قليلًا، حمل الأب ابنه وسار به وسط الخطر، حتى وصل بعد انتظار طويل إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح. هناك، كشفت الفحوصات الطبية عن وجود شظايا صغيرة مستقرة في جمجمته، تسببت له بشلل طولي في الجهة اليمنى من جسده.


ورغم تحسن حالته الجسدية تدريجيًا بعد جلسات علاج طبيعي، إلا أن محمد لم يتعافَ نفسيًا. يرفض الحديث عن يوم إصابته، وكأن الذاكرة ما زالت حبيسة الانفجار.


يقول والده: «الأصعب لم يكن الإصابة نفسها، بل ما بعدها.. حين أصبح محمد بحاجة للمساعدة في كل شيء؛ الأكل، الاستحمام، وحتى الجلوس، بعد أن كان يعتمد على نفسه تمامًا».


ويؤكد الأطباء ضرورة إزالة الشظايا في أسرع وقت ممكن، إلا أن نقص الإمكانيات الطبية والظروف الأمنية يحول دون إجراء العملية، لتبقى الشظايا عالقة في رأس محمد، ويظل القلق مزروعًا في قلب عائلته.


اليوم، يعيش محمد على أمل السفر للعلاج في الخارج، بعد حصوله على تحويلة طبية، بانتظار فتح المعبر ليستعيد فرصة الشفاء، وربما جزءًا من حياته التي سلبتها الحرب.


في غزة، لا تنتهي القصص عند النجاة من الموت، بل تبدأ بعدها رحلة أطول مع الألم والانتظار. ومحمد واحد من جيلٍ كاملٍ ينزف بصمت، يحمل آثار الحرب في جسده وذاكرته، ويقاوم الخوف بأملٍ هشّ، لكنه لا يزال حيًا.

سبأ