هل باتت السعودية ساحة للنفوذ الإماراتي؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
إذا كان لمصر في الماضي الحق أن تقاتل في اليمن، وللسعودية الحق أيضًا في سحق ذلك التدخل، فإن اليمنيين أولى بإدارة شؤونهم، وإخراج بلدهم من الوصاية السعودية القائمة منذ خروج القوات المصرية من البلاد في يونيو 1967 وحتى 21 سبتمبر 2014، ومن حقهم أيضًا القتال في البلدان التي تتدخل في شؤونهم، وأولها السعودية والإمارات.
وبما أن اليمنيين لا يملكون مشروعًا لاحتلال دول الخليج، فلا خوف من أي تحركات بهذا الصدد، إلا إذا كان هناك طرف آخر يمول هذا التدخل ويشرعن له أسبابه. ومع خروج الصراع السعودي–الإماراتي إلى العلن لأول مرة منذ سنوات، فإن الاحتمالات كلها مفتوحة بين الطرفين لضرب بعضهما عبر الأدوات اليمنية، وباتت الساحة مفتوحة ومهيأة لأي طرفٍ منهما أن يوجه ضربته القاضية للآخر ردًا على التنكيل المتبادل مؤخرًا.
وخيارات الإمارات في ذلك أكثر من خيارات السعودية، وقد رأينا كيف استطاعت تفعيل ورقة الإرهاب في الجنوب عبر التنظيمات السلفية خلال السنوات العشر الماضية، وكيف أن انسحابها الأخير من الجنوب بضغط سعودي يعطيها الدافع لإعادة توجيه الورقة نفسها ضد الرياض، حليف الأمس وعدو الغد. وفي هذا التدافع فرج كبير للأحرار المناهضين للهيمنة الصهيونية على العالم العربي.
والخطوة المتوقعة أن تحول الإمارات التواجد السعودي في الجنوب إلى فيتنام جديدة، وأن تستنزف قواتها وجنودها بالعمليات الإرهابية التي تتقنها وتملك الأدوات اللازمة لتنفيذها، من المقاتلين الانفصاليين إلى التكفيريين السلفيين، وحتى العفاشيين وخبرتهم العتيقة في احتضان الإرهاب عند الحاجة.
والأخطر من ذلك هو توجيه الإرهاب إلى العمق السعودي بالأدوات نفسها، وبالمبررات المنطقية المنادية بمقاومة الاحتلال السعودي للمحافظات الجنوبية. وهنا من السهل ضرب المملكة ما دام هو وحلفاء الإمارات يشكلون جانبًا كبيرًا من الحكومة الموالية لها، فقد أكسبتهم سنوات النزوح العشر الخبرة اللازمة لزعزعة الأمن والاستقرار السعوديين.
والأدهى أن القوات التي قاتلت مع الرياض، مثل درع الوطن، سبق وأن قاتلت مع أبوظبي، وهي في ذاتها سلاح ذو حدين وإرهاب متعدد الوجوه، وقد تعيد الإمارات تفعيلها لضرب السعودية واستهداف شخصيات بعينها، فالإمارات لها تاريخ تجسسي طويل، ولا ينقصها سوى الأدوات لتنفيذ أي ضربات موجعة ضد الأهداف الحساسة لحكام المملكة وقواتها.
كما أن الأطراف الأخرى، بما فيها حزب الإصلاح، هي أدوات قابلة للتطويع بالمال والترهيب، وبصفقة صغيرة يبرمها محمد بن زايد مع قيادة الحزب، خاصة مع حميد الأحمر، تستطيع الإمارات قلب الطاولة كليًا على السعودية، فالوضع في الأخيرة مهيأ للتغيير، والمؤسسة الدينية فيها متعطشة للثأر من محمد بن سلمان جراء تغييراته الجذرية في الدين والثقافة، وممارساته المستمرة للقمع والاعتقالات في الوسط الديني.
وعلى ذكر القمع، فإن انتهاكات بن سلمان بحق أفراد من الأسرة الحاكمة، وما رافقها من تهميش وإقصاء غير مسبوق داخل بنية الحكم نفسها، تشكل عاملًا إضافيًا يشجع الإمارات على التدخل في الشأن السعودي واستثمار حالة التصدع الداخلي. ولا شك أن موجات الاعتقال، ومصادرة النفوذ، وإعادة هندسة مراكز القوة داخل العائلة الحاكمة، قد خلّفت العديد من الثغرات السياسية والأمنية والاجتماعية التي يسهل استغلالها من قبل أي طرف خارجي يمتلك الخبرة والأدوات. والإمارات، بما راكمته من تجارب في إدارة الصراعات غير المباشرة، تُعد من أكثر الأطراف قدرة على اللعب على هذه التناقضات، وتحويلها إلى أوراق ضغط مؤثرة، كما فعلت سابقًا في اليمن والسودان وغيرها من الساحات العربية. فكلما اتسعت دائرة السخط داخل الداخل السعودي، وتعمقت الهوة بين السلطة والمجتمع، بات المجال أوسع أمام التدخلات الخارجية لإعادة تشكيل التوازنات بما يخدم مصالحها، لا سيما في ظل غياب أي أفق حقيقي للإصلاح أو المصالحة الداخلية.
في المحصلة، تكشف مجمل الوقائع أن منطق التدخل في شؤون الدول، يراكم الأزمات ويفتح الباب أمام صراعات مفتوحة لا يمكن ضبط مآلاتها. فما جرى في اليمن نتيجة طبيعية لسنوات من الوصاية، وتهميش الإرادة الوطنية، وتحويل الجغرافيا إلى ساحة تصفية حسابات بين قوى تدّعي حماية الأمن وهي في الحقيقة تعمّق الفوضى.
إن استمرار السعودية والإمارات في التعامل مع المنطقة بعقلية النفوذ وبمنطق الأدوات يجعل ارتداد هذا النهج أمرًا حتميًا، سواء على مستوى العلاقات الإقليمية أو داخل حدود هذه الدول نفسها. فالتدخل، أيًا كان شكله، لا يبقى أحادي الاتجاه، بل يولّد ردود فعل متراكمة، ويعيد رسم موازين القوة بطرق غير متوقعة.
ومن هنا، فإن الطريق الوحيد لتجنيب المنطقة مزيدًا من الانفجار لا يكمن في توسيع دوائر الصراع، بل في الاعتراف المتبادل بالسيادة، واحترام إرادة الشعوب، ووقف سياسات الإملاء والهيمنة. أما الإصرار على ازدواجية المعايير، فسيبقي الإقليم أسير توترات دائمة، يدفع ثمنها الجميع دون استثناء، ويؤكد أن من يزرع التدخل، لا بد أن يحصد ارتداداته.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

