السياسية : تقــــرير || نجيب هبة *

يبدو أن الأسباب الحقيقية للعدوان الذي شنته الولايات المتحدة ضد فنزويلا واختطاف الرئيس مادورو وزوجته ، تختلف تماما عن الأسباب المعلنة ، وبعيدة عن مزاعم ترويج المخدرات والإرهاب .

واتضح وباعتراف ترامب نفسه أن وراء ذلك العدوان مطامع اقتصادية ، ورغبة في السيطرة على الثروة النفطية في فنزويلا الغنية بالنفط.

وتمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفط في العالم يقدر بأكثر من 300 مليار برميل، وهو ما جعل الدولة الكاريبية محط أطماع الولايات المتحدة التي جعلت هذا الهدف في حساباتها الاستراتيجية منذ سنوات طويلة.

وفي تصريحات بعد العملية العدوانية، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن واشنطن ستنخرط بقوة في قطاع النفط الفنزويلي كجزء من خطتها لإعادة بناء هذا القطاع، ودفع شركات النفط الأمريكية الكبرى للاستثمار فيه.

في بداية ديسمبر 2025، اعتبر مقال نشره موقع "ريسبونسيبل ستيتكرافت" الأمريكي، أن إدارة ترامب تواجه صعوبةً في إقناع وكالاتها الاستخباراتية وأقرب شركائها الدوليين بأن فنزويلا دولة "إرهابية مخدرات"، أو أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو هو زعيم ما يُسمى بـ"كارتل دي لوس سولس".

لم تُفلح الولايات المتحدة في إقناع شركائها بأن فنزويلا تُعدّ مصدرًا هامًا للفنتانيل أو غيره من المخدرات القادمة إلى الولايات المتحدة.

يقول مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون، حسب الموقع، إن معظم القوارب التي قصفها الجيش الأمريكي كانت في الممر بين فنزويلا وترينيداد وتوباغو - وهو ممر لا يُستخدم لنقل الفنتانيل أو غيره من المخدرات إلى الولايات المتحدة. وتُهيمن الماريجوانا على 80% من المخدرات التي تتدفق عبر هذا الممر، ومعظم الباقي هو الكوكايين. وهذه المخدرات لا تتجه إلى الولايات المتحدة، بل إلى غرب إفريقيا وأوروبا.

ووفقًا لإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، فإن 90% من الكوكايين الذي يصل إلى الولايات المتحدة يمر عبر المكسيك، وليس فنزويلا. وفنزويلا ليست مصدرًا للفنتانيل.

ويُقيّم تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة العالمية للمخدرات لعام 2025 أن فنزويلا "عززت مكانتها كإقليم خالٍ من زراعة أوراق الكوكا والقنب والمحاصيل المماثلة"، وأن "5٪ فقط من المخدرات الكولومبية تمر عبر فنزويلا".

ويضيف "ستيتكرافت" أن الأدميرال ألفين هولسي، قائد القيادة الجنوبية الأمريكية، التي تُشرف على جميع العمليات في أمريكا الوسطى والجنوبية، أعلن استقالته في 16 اكتوبر وسط تقارير عن "توترات سياسية حقيقية بشأن فنزويلا" بين الأدميرال ووزير الدفاع، بيت هيجسيث. ويقول مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون إن هولسي "أثار مخاوف بشأن المهمة والهجمات على قوارب المخدرات المزعومة".

وذكرت صحيفة (واشنطن بوست) أن إدارة ترامب "تجاهلت مرارًا محاميي الحكومة الذين شككوا في قانونية هذه السياسة الاستفزازية أو تجاهلتهم". وكما هو الحال مع مسؤولي الجيش والاستخبارات، فإن العديد من المحامين والمسؤولين الذين كانوا قلقين "تركوا الحكومة أو نُقلوا إلى مناصب أخرى أو أُقيلوا".

وتثبت المعلومات السابقة أن مزاعم محاربة المخدرات لم تكن أكثر من ذريعة للتغطية على الأسباب الحقيقية للعدوان.



الوصول إلى موارد الطاقة بقوة الجيش

يقول د. محمد الحربي، إن الأزمة الفنزويلية تعد نموذجا كاشفا للتوتر القائم بين منطق القوة ومنطق القانون في العلاقات الدولية، نظرًا لتداخل أبعادها الداخلية مع اعتبارات إقليمية ودولية وتحوّلها من نزاع سياسي اقتصادي إلى مسألة ذات آثار مباشرة على النظام القانوني الدولي.

ويضيف في تحليل نشرته مجلة السياسة الدولية الصادرة عن مؤسسة الأهرام المصرية، أن الولايات المتحدة خلال إدارة ترامب ترى في فنزويلا قوة اقتصادية محتملة يمكن أن تُسهم في أمن الطاقة الأمريكي وكجزء من عقيدة ترامب الجديدة، يمكن استخدام الجيش الأمريكي للوصول إلى موارد الطاقة والمعادن في المنطقة، بينما بحسب استطلاعات الرأي، يعارض المواطنون الأمريكيون استخدام الجيش الأمريكي في فنزويلا.

ويتابع الحربي أن ترامب وجّه في أواخر نوفمبر إنذارًا نهائيًا إلى الرئيس مادورو للتخلي عن السلطة، عارضًا عليه خروجا آمنًا، غير أن مادورو رفض هذا العرض، مؤكدًا أمام أنصاره داخل فنزويلا رفضه لما وصفه بـ"سلام العبيد"، متهمًا الولايات المتحدة بالسعي إلى بسط سيطرتها على الاحتياطيات النفطية الفنزويلية.

ويُبرز التباين في ردود الفعل الدولية أن التعاطي الدولي مع الأزمة لا يخضع لمعايير قانونية محايدة فحسب، بل يتأثر أيضًا بالاعتبارات السياسية والاقتصادية، والجيواستراتيجية لكل دولة، مما يطرح إشكاليتين:

- هل تمثل الممارسات الأمريكية تجاه فنزويلا تحولًا في دور الولايات المتحدة من دولة فاعلة في النظام الدولي إلى شرطي دولي، بما يشكل افتئاتًا على الاختصاص الأصيل لمجلس الأمن الدولي في حفظ السلم والأمن الدوليين، وهل تطغي توازنات القوة على النظام العالمي متعدد الأطراف؟

- وهل يمكن تكرار الأسلوب نفسه المستخدم في فنزويلا مع أي دولة أخرى تري الولايات المتحدة أنها تتعارض مع مصالحها؟



الأهداف المعلنة مقابل الأهداف الحقيقية

تقول الكاتبة فاطمة شوقي، إن التحليلات الدولية الحديثة ترى في هذا التصعيد ما يشبه كثيرًا العمليات العسكرية الأمريكية السابقة في دول غنية بالنفط مثل العراق وليبيا، وأن تقارير صحفية ومحللون يشيرون إلى أن تصريحات ترامب الصريحة حول النفط تجعل الهدف الحقيقي للعملية ليس محاربة فساد أو تهريب مخدرات، بل الاستيلاء على موارد الطاقة.

وتضيف في تقرير بصحيفة اليوم السابع المصرية أن ردود الفعل الدولية مثل انتقادات السياسيين الروس الذين وصفوا الضربة بأنها غير قانونية وتهدف للهيمنة على الموارد، تتقاطع مع هذا التحليل، مشيرين إلى أن التدخل الأمريكي يذكرهم بتدخلات مماثلة في العراق عام 2003، التي قُدمت في البداية بذريعة "أسلحة الدمار الشامل" ثم تبين أنها سخرت لاحقًا لتحقيق أهداف استراتيجية وسيطرة على النفط.



النفط في قلب الصراع

وتعتبر شوقي أن هذا الصراع حول النفط الفنزويلي ينعكس في دوائر القرار الدولية أيضًا لسببين أساسيين: أولهما التوتر مع الصين وروسيا: الدولتان اللتان تستوردان النفط الفنزويلي أو تشاركان في تطوير حقوله، وقد أدانت كل منهما العملية الأمريكية واعتبرتها انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي.

وثانيهما، تأثيره على أسواق الطاقة العالمية: حيث الاضطرابات الجيوسياسية انعكست على حركة الأسعار وبعض التحركات التجارية، بينما مراقبون يعتبرون أن أي تحكم في النفط الفنزويلي قد يعطي واشنطن نفوذًا إضافيًا في أسواق الطاقة الدولية على حساب منافسين مثل إيران والعراق.

وبالنظر إلى حجم الاحتياطي النفطي الفنزويلي، وتصريحات ترامب العلنية، وردود الفعل الدولية، يتضح أن الصراع الراهن في فنزويلا ليس مجرد نزاع سياسي داخلى، بل هو صراع دولي حول الموارد الإستراتيجية والطاقة العالمية، يحمل في طياته تشابهات مع تدخلات سابقة في دول نفطية مثل العراق.

وتشير الكاتبة إلى أن هذا الوضع يفتح تساؤلات حول سيادة الدول الضعيفة أمام القوى العظمى، ومدى قدرة المنظمات الدولية على حماية القوانين الدولية، في وقت يتصارع فيه اللاعبون الدوليون على رؤوس أموال الطاقة وتأثيرها على السياسات العالمية.



نقطة استقطاب رئيسية

ويتساءل الدكتور خالد العزي حول أسباب قرار الولايات المتحدة التصعيد العسكري ضد فنزويلا في هذه اللحظة..

ويجيب عن ذلك السؤال في تحليل نشره المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، أن النفوذ الإقليمي في أمريكا اللاتينية هو أول الأسباب، حيث تُعتبر فنزويلا بالنسبة للولايات المتحدة نقطة استقطاب رئيسية في أمريكا اللاتينية، فحكومة مادورو، تمثل تهديدًا واضحًا للنفوذ الأمريكي في المنطقة، إذ تدعم الحكومة الفنزويلية العديد من الأنظمة المعادية للغرب في المنطقة، بما في ذلك كوبا ونيكاراغوا.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن العلاقة الوثيقة بين فنزويلا وإيران وروسيا تعتبر تحديًا مباشرًا للمصالح الأمريكية في المنطقة، بالتالي، فإن واشنطن قد تكون قررت التصعيد العسكري ليس فقط لإضعاف مادورو، ولكن أيضًا لقطع الطريق على نفوذ روسيا وإيران في فنزويلا.

ويضيف العزي أن السبب الثاني هو الأزمة الاقتصادية والانهيار الداخلي، قائلا "لا يمكن إغفال الأزمة الاقتصادية التي تعصف بفنزويلا منذ عدة سنوات. وبالرغم من أن البلاد تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، إلا أن العقوبات الدولية والإدارة غير الفعّالة جعلت الاقتصاد الفنزويلي يواجه انهيارًا. في ظل هذه الأوضاع، اعتبرت الولايات المتحدة أن الإطاحة بمادورو يمكن أن يساعد في تخفيف الأزمة الإنسانية الناتجة عن انهيار الدولة، والتي ألقت بظلالها على دول الجوار مثل كولومبيا والبرازيل ، ولكن من الواضح أنه يحمل في طياته محاولات جديدة لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى.

ويتابع العزي أن النفط الفنزويلي، هو ثالث الأسباب التي قد تفسر التصعيد العسكري، فقد كانت فنزويلا دائمًا مصدرًا كبيرًا للطاقة في السوق العالمية، وبالتالي، فإن الولايات المتحدة قد تسعى لفتح المجال أمام شركات الطاقة الأمريكية لاستثمار هذا المورد الحيوي.

ويشير إلى أن العدوان العسكري على فنزويلا يمكن أن يُفسر كخطوة لاستعادة السيطرة على تلك الموارد الطبيعية التي كانت في السابق تحت سيطرة حكومة مادورو.

ويرى الدكتور العزي أن التوترات الجيوسياسية مع روسيا والصين هي رابع أسباب العدوان، حيث أن العلاقات بين فنزويلا وروسيا كانت محورية بالنسبة لنظام مادورو، فقد قدمت روسيا دعمًا عسكريًا واقتصاديًا لفنزويلا، مما جعل فنزويلا محط نظر للقوى الكبرى، بالتالي، فإن الولايات المتحدة قد تعتبر أن هذا التدخل العسكري في فنزويلا يهدف أيضًا إلى إضعاف نفوذ روسيا في أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى إضعاف حلفائها في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، فإن هناك مصالح استراتيجية مرتبطة بمنع نفوذ الصين الذي يمتد في العديد من دول المنطقة، ومن خلال استهداف فنزويلا، تسعى الولايات المتحدة إلى قطع الجسور بين هذه الدولة الكبرى في أمريكا اللاتينية والدول الداعمة لها، مثل روسيا والصين، وبالتالي حماية مصالحها الجيوسياسية في المنطقة.

ويخلص الكاتب إلى أن الهدف الأمريكي في هذه المرحلة ليس فقط إضعاف نظام مادورو، ولكن أيضًا تحقيق السيطرة على المنطقة مرة أخرى بشكل يحفظ مصالحه الاستراتيجية والاقتصادية، ويعتبر أن هذا التصعيد قد يكون بداية لفترة جديدة من التوترات الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية، التي قد تؤثر بشكل كبير على الأمن الإقليمي والدولي.



استراتيجية واشنطن : النفط والهيمنة

من جانبه قال الكاتب الروماني، ماثيو ليروسي، إن البيت الأبيض يقدم العدوان العسكري الذي أدى إلى اختطاف نيكولاس مادورو ، على أنه عمل دفاعي ضد تهريب المخدرات. ولكن وراء تلك الرواية الرسمية التي صاغها دونالد ترامب يجري العمل على استراتيجية أوسع نطاقاً، تجمع بين الأمن والموارد الطبيعية والطموحات الجيوسياسية، مؤكدا أن فنزويلا لم تُستهدف لما تمثله اليوم فحسب، بل لما تعنيه على الساحة العالمية: دولة رئيسية غنية بالمواد الخام الاستراتيجية، وتقع في قلب أمريكا اللاتينية.

وأشار ليروسي في تحليل نشره موقع فيرست أونلاين الإيطالي، إلى أن ترامب وصف مادورو بأنه زعيم منظمة "كارتل دي لوس سوليس"، المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، وهو ما سمح للإدارة الأمريكية بتقديم الغارة على أنها "عملية مكافحة الإرهاب"، متجاوزة العملية البرلمانية وباستخدام التفويضات الخاصة المنصوص عليها في التشريعات التي صدرت بعد أحداث 11 سبتمبر.

وأكد أن فنزويلا لا تُعدّ الممر الرئيسي لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، التي تُهيمن عليها عصابات المخدرات المكسيكية، لذا، يبدو أن مكافحة تهريب المخدرات تُمثّل إطارًا مفيدًا لإضفاء الشرعية على استخدام القوة ولصياغة قصة طارئة، بدلاً من السبب الحقيقي للتدخل.

ويضيف ليروسي أنه إذا كانت المخدرات هي الذريعة، فإن النفط هو الرهان ، فعلى مدى عقود، عمل قطاع الطاقة في فنزويلا من خلال تنازلات للشركات الأجنبية الكبرى في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، قامت الشركات الأمريكية ببناء العمود الفقري لصناعة النفط في البلاد.

ويتابع "جاءت نقطة التحول في عام 1976 مع تأميم النفط وتأسيس شركة بتروليوس دي فنزويلا (PDVSA)، التي فرضت مشاريع مشتركة تسيطر عليها الدولة، لقد انخفض الوجود الغربي تدريجياً، حتى اختفى تحت وطأة العقوبات وإدارة النظام بشكل متزايد الغموض".

ويوضح أن "روسيا والصين وإيران دخلت في عام 2015 في الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة، وأصبحت بكين مشتر رئيسياً للنفط الخام الفنزويلي (حوالي 5٪ من احتياجاتها)، والذي يتم تصديره غالباً عبر قنوات غير شفافة للتحايل على القيود الدولية، وقدمت موسكو الدعم الفني والمالي، في حين ساهمت طهران في صيانة البنية التحتية، وهو محور طاقة تعتبره واشنطن غير مقبول، لا سيما في سياق المنافسة الاستراتيجية العالمية مع الصين".

قال ترامب ذلك علنًا: ستعود فنزويلا إلى المجال الاقتصادي الأمريكي وستعاود "شركات النفط التابعة لنا" العمل مجدداً. وتعتزم الولايات المتحدة قيادة عملية الانتقال ليس سياسياً فحسب، بل صناعياً أيضاً.

ويشير الكاتب إلى أن هناك مصدر آخر إلى جانب النفط وهو المعادن النادرة مثل الكولتان الذي يكتسب أهمية متزايدة في التقييمات الاستراتيجية، ويبين أن فنزويلا تملك رواسب مهمة من هذا المعدن النادر الذي يُعدّ أساسيًا لصناعة التكنولوجيا العالمية (الهواتف الذكية في المقام الأول) لأنه يتم الحصول على التنتالوم والنيوبيوم، وهو أمر ضروري للهواتف الذكية وأشباه الموصلات والبطاريات والأسلحة المتقدمة وتقنيات الفضاء الجوي.

وبالنسبة لواشنطن، فإن قضية الكولتان متشابكة مع قضية النفط، فهي ليست مجرد طاقة، بل مواد خام استراتيجية ضرورية للمنافسة التكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.



عودة مبدأ "مونرو" على طريقة ترامب

كما يعتبر الكاتب أن وراء قرار ضرب فنزويلا رؤية تاريخية محددة للغاية وهي العودة الصريحة إلى "مبدأ مونرو" الذي أُعلن عام 1823، والذي بموجبه يعد نصف الكرة الغربي بأكمله منطقة نفوذ للولايات المتحدة، واعتبار أمريكا اللاتينية بمثابة "فناء خلفي" لواشنطن، وقد استشهد به ترامب علنًا بنوع من التباهي الذاتي.

ويضيف " لم يعد الهدف القوى الأوروبية، بل تقدم الصين في القارة. كانت فنزويلا في عهد مادورو خير مثال على دولة في أمريكا اللاتينية متحالفة بقوة مع بكين وموسكو، إن ضربها يعني إرسال رسالة إلى المنطقة بأكملها أن الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي أمر لا يقبل المساومة".

ويرى ليروسي في ختام تحليله، أن فنزويلا بذلك لم تصبح مجرد مسرح لسقوط نظام فحسب، بل مختبر للتوازن العالمي الجديد، حيث يصبح الخط الفاصل بين الأمن والمصالح الاقتصادية والقوة العسكرية دقيقاً بشكل متزايد.

موقع عربي بوست، تحدث حول الموضوع وقال إن حديث ترامب انحصر في ثلاثة محاور رئيسية: إدارة أمريكية مؤقتة، واستثمارات ضخمة في قطاع النفط، وانتقال سياسي مؤجل.

وأضاف أن "التفاصيل غائبة وتصريحات المسؤولين الأمريكيين لا ترقى إلى مستوى خطة متكاملة حول "إدارة فنزويلا"٬ ومن غير المؤكد أن يمكن ترامب حتى المعارضة الفنزويلية من استلام حكم البلاد بعد إسقاط النظام الحالي".

فبدلاً من دعم المعارضة، يضيف عربي بوست ، تعامل ترامب ببرود بل وسخرية مع أبرز رموزها، حيث قلل من شأن ماريا كورينا ماتشادو، كما تجاهل المرشح للانتخابات الرئاسية لعام 2024 إدموندو غونزاليس تماماً، في المقابل، لمح إلى دور محوري لديلسي رودريغيز، نائبة مادورو ووزيرة النفط.

وهذا التناقض يكشف جوهر المقاربة الأمريكية التي تتعامل مع فنزويلا بما ينفع المصالح الأمريكية، حتى لو جاء على حساب التحول الديمقراطي المزعوم٬ فبالنسبة لترامب، تظهر كملف نفطي وأمني قبل أي شيء.

وينقل موقع عربي بوست عن مجلة "الإيكونومست" البريطانية، أن "ديلسي رودريغيز تُقدَّم في واشنطن كشخصية "براغماتية" يمكن التفاهم معها، ويقول الأمريكيون إنها أكثر إلماماً بالاقتصاد من كثيرين داخل النظام، وقد ساهمت في تخفيف القيود الاقتصادية، وفي دولرة غير رسمية أعادت بعض الاستقرار للبلاد".

لكن هذه البراغماتية لها حدود، فرودريغيز ليست شخصية توافقية في الداخل. كما أن علاقتها متوترة مع قطاعات واسعة من المعارضة. وقدرتها على الحكم لا تعتمد فقط على قبول واشنطن، بل على موقف الجيش والأجهزة الأمنية التي ترفض الخطط الأمريكية جملة وتفصيلا.

وتضيف "إيكونوميست" : "بالتالي أي صفقة تعقدها مع الولايات المتحدة ستكون بلا قيمة إن لم يضمنها الجنرالات، ثم إن خطابها العلني، يرفض "الاستعمار الإمبريالي" ويؤكد أن مادورو لا يزال الرئيس".



تعقيدات إدارة نفط فنزويلا

وترى المجلة أن "النفط يقبع كعامل إغراء لترامب للتعمق أكثر في فنزويلا، فالبلاد تملك أكبر احتياطي مؤكد في العالم، لكنه نفط ثقيل، مكلف الاستخراج، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة واستقرار طويل الأمد".

ويتحدث ترامب عن مليارات ستتدفق بسرعة، ودعا الشركات الأمريكية للإنخراط في العملية، لكن الواقع أكثر تعقيداً ، حسب المجلة ، فالشركات الكبرى لا تستثمر في بيئات غير مستقرة سياسياً وأمنياً، ولا يمكن فصل إعادة بناء القطاع النفطي عن إعادة بناء الدولة نفسها، دون مؤسسات، وقانون، وشرعية، سيظل النفط نعمة مؤجلة".

وتخلص المجلة إلى أن "ترامب يروّج لفكرة أن النفط الفنزويلي هو غنيمة سهلة يمكن أن تسدد ديون المغامرة الأمريكية وتخفض أسعار الوقود، لكن الحقائق الفنية والاقتصادية ترسم صورة مأساوية لشركة النفط الوطنية (PDVSA)٬ وبالتالي ستحتاج الشركات الأمريكية لدفع الكثير قبل المباشرة في عملية الاستفادة من النفط الفنزويلي".


سبأ