السياسية || كيان الأسدي*
في هذا التوقيت بالغ الحساسية، ومع تصاعد مؤشرات التوتر الإقليمي، تلتقط طهران إشارات متزايدة عن تحضيرات إسرائيلية–أميركية محتملة لشن هجمات تستهدفها. وفي خضم هذا المشهد المشحون، يصدر مجلس الأمن والدفاع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بيانًا لافتًا، يؤكد فيه أن «أي اعتداء أو استمرار في السلوكيات العدائية سيُقابل بردٍّ متناسب، قاطع وحاسم».
هذا البيان، في مضمونه وتوقيته، لا يندرج في إطار الردع التقليدي فحسب، بل يكشف عن تحوّل نوعي في المقاربة الأمنية الإيرانية، وعن ملامح عقيدة دفاعية–هجومية أكثر جرأة ووضوحًا. فقد أوضح البيان، بعبارة لا تحتمل التأويل، أن إيران «لا تعتبر نفسها مقيّدة بردّ الفعل بعد وقوع الاعتداء فحسب، بل ترى أن المؤشرات الملموسة للتهديد باتت جزءًا أصيلًا من المعادلة الأمنية».
وبهذا المعنى، تنتقل طهران من منطق انتظار الضربة إلى منطق قراءة النوايا والاستعداد لمواجهتها، حيث يصبح التهديد، متى ما استند إلى معطيات عملية ومؤشرات جدية، في مستوى الفعل ذاته من حيث الخطورة والنتائج. فالنية العدائية، حين تكتمل أدواتها، لا تقل خطرًا عن تنفيذها، والتعامل معها يجب أن يكون بالحسم نفسه.
ولا يمكن فصل هذا البيان عن سياقه الزمني. فالتصعيد في لهجته قد يكون مرتبطًا بمعلومات استخبارية تشير إلى التحضير لموجة ثانية من الهجمات ضد إيران، أو على الأقل إلى إعادة تفعيل سيناريوهات الضغط العسكري. واللافت أن الخطاب الإيراني لم يحصر التهديد بإسرائيل وحدها، بل وسّع الدائرة لتشمل الولايات المتحدة أيضًا، ولا سيما في ظل التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي لامست بشكل مباشر الداخل الإيراني.
فترامب أعاد نشر تغريدة كان قد كتبها خلال حرب «الأيام الاثني عشر»، يلمّح فيها صراحة إلى فكرة تغيير النظام في إيران، متجاوزًا الأعراف الدبلوماسية ومتحديًا قواعد الخطاب السياسي الدولي. وجاء في منشوره:
استخدام مصطلح (تغيير النظام) ليس صحيحًا من ناحية اللياقة السياسية، لكن إذا لم تستطع الحكومة الحالية في إيران أن تجعل إيران عظيمة من جديد، فلماذا لا ينبغي تغييرها؟
لنعِد العظمة إلى إيران!
هذه التصريحات، بما تحمله من نزعة تدخلية واضحة، تُعد في الرؤية الإيرانية جزءًا من بيئة التهديد الشامل، الذي لا يقتصر على الفعل العسكري المباشر، بل يشمل أيضًا التحريض السياسي، والحرب النفسية، ومحاولات زعزعة الاستقرار الداخلي. ومن هنا، يصبح بيان مجلس الأمن والدفاع الإيراني بمثابة رسالة ردع مزدوجة: رسالة إلى الخصوم بأن زمن المفاجآت قد ولّى، ورسالة إلى الداخل بأن الدولة تضع كل السيناريوهات على الطاولة، ولا تنتظر حتى تقع الضربة كي تتحرك.
في المحصلة، ترسم طهران من خلال هذا الموقف معادلة جديدة مفادها أن الأمن القومي لا يُدار بردود الأفعال، بل بقراءة مبكرة للتهديدات، وأن الخط الأحمر لم يعد مقتصرًا على ما يُنفّذ، بل يشمل ما يُحضَّر له أيضًا.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب - كاتب عراقي