السياسية - تقـــرير :

لم يكن الشاب نبيل أبو جبر (20 عامًا) يبحث عن بطولة، ولا عن مغامرة، بل عن لقمة تسدّ جوع والدته وشقيقاته العشر.

خرج خلسة من منزله ذات يوم، مثقلًا بعجز العائلة وضيق الحال، ولم يكن يدري أن تلك الخطوات القليلة ستقوده إلى مصيدة موت، وستحوّل شبابه إلى سلسلة طويلة من الألم والانتظار.


ثمانية أشهر مرّت كأنها دهر على عائلة نبيل، وهم يراقبون ابنهم الوحيد يصارع الحياة داخل مستشفيات قطاع غزة، وسط شحّ الإمكانيات الطبية وانسداد الأفق العلاجي، وانتكاسات صحية لا تتوقف، تزيد من مخاوف فقدانه يومًا بعد يوم.


بدأت المأساة حين لم يحتمل نبيل رؤية أسرته بلا طعام، خاصة بعد تعطل والده عن العمل وتوقف مخصصات الشؤون الاجتماعية منذ اندلاع حرب الإبادة الصهيونية على غزة.


حمل همّ العائلة على كتفيه، وتوجّه إلى نقطة مساعدات قرب ما يُعرف بمحور “نتساريم”، دون أن يعلم أن المكان مغلق وخطير.


تروي شقيقته الكبرى إسلام لـ صحيفة (فلسطين)، تفاصيل اللحظة التي غيّرت مصير أخيها: “خرج نبيل دون أن يخبر أحدًا، سلك طريقًا فرعيًا، وفجأة أصابته رصاصة دبابة صهيونية متفجرة. نُقل إلى المستشفى وهو في حالة حرجة للغاية”.


شهران كاملان قضاها نبيل معلّقًا بين الحياة والموت، خضع خلالهما لعمليات جراحية متتالية، تركت آثارًا جسدية قاسية، أفقدته القدرة على المشي، وجعلت جسده ساحة مفتوحة للالتهابات والأوجاع، في ظل عجز طبي فرضته ظروف الحرب والحصار.


ورغم قرار الأطباء بخروجه من المستشفى قبل ثلاثة أشهر لعدم توفر إمكانيات إضافية للعلاج، إلا أن الألم يعيده إليه مرارًا، حتى بات المستشفى ملاذًا اضطراريًا لا يستطيع مفارقته طويلًا.


إلى جانب المعاناة الصحية، تتفاقم المأساة المعيشية. تقول إسلام:“كل مرة يُنقل فيها أخي إلى المستشفى تكلفنا ما لا يقل عن خمسين شيكلًا، غير ثمن الأدوية الباهظة، أحدها وحده وصل إلى سبعمئة شيكل، ونحن أصلًا لا نملك ثمن الطعام”.


وتضيف بحسرة: “نبيل كان يعيل شقيقاته العشر من بسطة صغيرة أمام المنزل، واليوم هو بحاجة لمن يعيله، بينما نعجز حتى عن توفير كرسي متحرك يساعده على الحركة”.


حالة نبيل الصحية لا تزال غير مستقرة، ويحتاج إلى تدخلات طبية معقدة غير متوفرة داخل غزة، ما يجعل حياته ومستقبله معلقين على أمل الخروج للعلاج خارج القطاع.


وتختتم شقيقته حديثها بصوت مثقل بالوجع: “أخي يفقد أجمل أيام شبابه، يتنقل من عملية إلى أخرى، وحالته النفسية صعبة جدًا. نناشد العالم أن ينقذه قبل فوات الأوان”.


في غزة، لا تُقاس المآسي بعدد الجراح وحدها، بل بطول الانتظار وقسوة الصمت. ثمانية أشهر مضت ونبيل أبو جبر معلّق بين حياة مؤجّلة وألمٍ مفتوح، يدفع ثمن محاولة بسيطة لإطعام أسرته.


قصته ليست حكاية فرد، بل شهادة حيّة على واقعٍ يدفع الشباب إلى مخاطرةٍ قسريةٍ بأعمارهم في سبيل البقاء، حيث يصبح البحث عن الحياة امتحانًا يوميًا بين الجوع والموت.


وبين سرير المستشفى وعيون أمٍّ تنتظر، يبقى السؤال معلّقًا: إلى متى يُترك جرح غزة ينزف بلا إنقاذ، وتُترك أحلام أبنائها رهينة للحصار والحرب الصهيونية؟

سبأ