إيران: نهايةُ الصبر الاستراتيجي تحدّدُ مصيرَ التصعيد الأمريكي الأخير
السياسية - متابعات || عبد القوي السباعي*
من الواضح أن جمهوريةَ إيران الإسلامية وجدت نفسَها أمامَ مفترق طرق بعد أن بلغت سياسةُ "الصبر الاستراتيجي" نهايتَها، وهو نهجٌ استهدف تعاملها مع مختلف التهديدات العسكرية والاقتصادية بمرونةٍ عالية، جنَّبها المواجهةَ المباشرةَ أكثرَ من مرة.
لكن ومع التصعيد الأمريكي الحالي، يبدو أن إيران تدرك أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى نتائجَ عكسيةٍ؛ فالتحشيدُ المتواصِلُ والعلني للقوات الأمريكية، بما في ذلك التهويل بوصول وانتشار القاذفات الاستراتيجية، والإعلانات الصريحة عن التحضير لتوجيه ضربة شاملة للمنشآت الإيرانية، سواء النووية أَو غيرها، تجعل الوضع الإقليمي يشهد تطوراتٍ دراماتيكيةً تُهيِّئُ لانفجارٍ وشيك.
قوةُ الموقف مع المرونة السياسيَّة:
ووفقًا للمعطيات، تتسمُ السياسةُ الإيرانيةُ في التعامل مع التطورات الأخيرة بمزيد من الدبلوماسية والجدية وتُظهِرُ مستوىً عاليًا من التحدي؛ فإيران تدركُ أن الاستمرارَ في تبنِّي ذاتِ النهج لن يؤدِّيَ إلا إلى تكرارِ سيناريوهات انتهى الأمرُ فيها بفقدانِ دول سيادتها وفُرِضَ عليها واقِعٌ جديد بالقوة، وهذا الذي لن يكون معها.
في السياق، قال وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي": إنَّ "تهديدات المسؤولين الأمريكيين لنا مرفوضة وتتعارض مع القوانين الدولية والميثاق الأممي، هذه التهديدات تؤدي إلى تعقيد الوضع الراهن، وسنرد بشكلٍ سريع وحازم على أي اعتداء يمس سيادتنا ووحدة أراضينا ومصالحنا الوطنية"، ومنتقدًا "عدم اتِّخاذ الاتّحاد الأُورُوبي موقفًا ضد تصريحات واشنطن التي تهدّد الأمن الدولي".
وسلّمت إيران، في الـ 27 من مارس الفائت، ردًّا رسميًّا على رسالة "ترامب" بشأن البرنامج النووي عن طريق "سلطنة عُمان"، وحدّد الوزير "عراقجي"، أنّ هذا الردَّ يتضمَّنُ رسالةً يتمُّ فيها "شرحُ وجهاتِ نظر طهرانَ بشأن الوضع الحالي، ورسالة ترامب بشكلٍ كامل".
وشدّد "عراقجي" على أنّ "سياسةَ إيران لا تزال تتمثّل في تجنّب المفاوضات المباشرة في ظلّ ظروف الضغوط القُصوى والتهديدات العسكرية"، مؤكّـدًا أنّ المفاوضاتِ غيرَ المباشرة بين طهران وواشنطن، و"كما كانت موجودةً في الماضي"، يمكن أن تستمرَّ.
وبحسب مراقبين، هذه التصريحاتُ تعكسُ موقفًا قويًّا ضِـدَّ أية ضغوط أَو تهديدات، لكن في الوقت ذاته، إيران تُظهِرُ انفتاحًا على المفاوضات غير المباشرة كوسيلةٍ لتجنُّب الانزلاق نحو مواجهةٍ شاملة؛ ما يُبرِزُ حرصَها على عدمِ فقدان القدرة على التحكُّم بمسار الأحداث.
التحشيدُ العسكري الأمريكي:
وفي سياق التحَرُّكات العسكرية الأمريكية في المنطقة، تشيرُ المعطياتُ الميدانيةُ والتقارير الاستخبارية إلى استعداد جدي لضربةٍ محتملة، خُصُوصًا مع نشر القاذفات الاستراتيجية التصريحات العلنية عن توجههم لاستهداف المنشآت الإيرانية النووية.
ويؤكّـد مراقبون، أن مثلَ هذه الإجراءات هي مُجَـرّد "حرب نفسية" تتماشى مع سياسة الردع التي تسعى من خلالها أمريكا إلى الضغط على إيران، سواء لدفعها إلى التفاوض أَو للحد من نفوذها العسكري والإقليمي.
في الإطار، أكّـد موقعُ "أكسيوس" الأمريكي أنّ البيت الأبيض يدرس بجدية مقترحًا إيرانيًّا لإجراء محادثات نووية غير مباشرة، وذكر الموقع أنّ "ترامب"، صرّح بأنّه "يُفضّل التوصّلَ إلى اتّفاق"، محذِّرًا من أنه من دونِ اتّفاق "سيكونُ هناك قصف".
ولفت "أكسيوس" إلى أنّ "البيت الأبيض لا يزال منخرطًا في نقاشٍ داخلي" بين من يعتقدون أنّ التوصّل إلى اتّفاق ممكن، ومن يرون المحادثات "مضيعة للوقت" ويؤيّدون توجيه ضربات إلى المنشآت النووية الإيرانية.
ويرى خبراء عسكريون أن النقاش الداخلي في أروقة "البيت الأبيض" حول جدوى المفاوضات مقابل الضربات العسكرية، يعكس حالة التردّد في صياغة استراتيجية متماسكة للتعامل مع إيران، في حين أن تصريحات "ترامب" تؤكّـد رغبته في التوصل إلى اتّفاق، إلا أنَّ التهديدات المُستمرّة تصعّد التوتر وتُعقّد أية جهودٍ دبلوماسية.
التحديات العسكرية الإيرانية:
في ذات السياق؛ يحذر مراقبون من أن التحذير الإيراني الأخير لأمريكا و(إسرائيل) وحلفائهما، من أن عاصفةً حديديةً من الانتقام ستكونُ مصيرَ كُـلِّ من يعتدي عليها أَو يتعاون معه؛ فإذا ما انطلقت شرارة هجوم على إيران، فَــإنَّها ستفتح معركة لا يمكن إخمادُها بالدبلوماسية.
ويتوقَّعُ خُبراءُ عسكريون أن مشاهدَ الصواريخ الإيرانية هي السيناريو الأبرز والذي سيَعُـــدُّ الأنفاسَ الأخيرةَ للقواعد الأمريكية، بدءًا من قاعدة القيادة المركَزية الأمريكية في "قطر" إلى ما وراء الخليج، وأن موجةً من الانفجارات المتتالية للصواريخ الإيرانية ستدك الأسطول الأمريكي الخامس في "البحرين".
ويلفت الخبراء إلى أن تجربة إرسال الصواريخ الإيرانية إلى (إسرائيل) 2024م، كانت درسًا عميقًا للخطط الأمريكية، وتبيان حجم وسرعة الهجوم الصاروخي في حالة دخول الصراع مرحلة اللا عودة، والذي يقدره الخبراء أنه سيكون مؤثرًا وسريعًا ومدمّـرًا جِـدًّا؛ إذ لن يتعدَّى 100 من الثواني من الموجة الأولى.
من جهتها، أكّـدت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية اليوم الأربعاء، ونقلًا عن مسؤول إيراني قولَه: "سنستهدفُ القواعدَ الأمريكية في المنطقة، وكل جندي أمريكي سيكون هدفًا لنا في حال ضُربت إيران"، ولفتت الصحيفة الأمريكية، إلى أن إيران تمتلك أدواتٍ عسكريةً تشكِّلُ تهديدًا حقيقيًّا للقواعد الأمريكية والإسرائيلية.
وتشيرُ التحليلاتُ إلى قدرةِ الصواريخ الإيرانية مثل صاروخ "خرمشهر 4" الذي يحمل 1500 كيلوغرام من المتفجرات، على تدمير مساحة واسعة من الأرض، وكذا الطائرات بدون طيار، مثل "شاهد-136"، على اختراق الأنظمة الدفاعية المتقدمة مثل "باتريوت" و"ثاد"، وهذا يمثِّلُ تحوُّلًا استراتيجيًّا يُمكِّنُ إيرانَ من استعراضِ قدرتها على الردِّ الفوريِّ والمكثّـَفِ في حالِ أي اعتداء.
وبناءً على المعطيات الحالية، تُظهِرُ التجارِبُ الإيرانية المتواصلة امتلاك الجيش الإيراني عناصرَ قوة وأوراقَ ضغط كبيرةً وحساسة؛ بدءًا بالتفوُّقِ في مسرحِ العمليات، وسُرعةِ الانتشار وكثافة النيران وسُرعة الهجوم ودقته؛ ما يعكسُ استعدادًا عسكريًّا متقدِّمًا يمكنُه حسم المعارك سريعًا وتقليل الأضرار الناتجة عن أي هجومٍ مضاد.
وعليه؛ يبدو أن الوضعَ الراهنَ يفرضُ على الأمريكي معالجةً دقيقةً وحَذِرةً؛ فما تزال لدى إيران ورقةُ إغلاق "مضيق هرمز" والذي يُعتبَرُ أحدَ أكثر السيناريوهات حساسيةً وخطورةً في حال الانفجار؛ كونهُ يُعَدُّ شريانًا حيويًّا للتجارة العالمية، يَمُرُّ عبرَه ما يُمثِّلُ ثلثَي إمدَادات النفط العالمية، وإغلاقه ليس مُجَـرّدَ ورقة ضغط، بل سيكون خِيارًا استراتيجيًّا لردعِ الأمريكي.
* المسيرة نت