السياسية:

تأتي الأنشودة الصنعانية بمفرداتها الشعرية الزاخرة بالحكمة والبلاغة، كظاهرة فنية فريدة تُعبّر عن فكر مجتمعٍ يسعى للحفاظ على إرثه وحاضره ومستقبله، فتستنهض بجمالها أعماق الروح، وتخاطب بروحانيتها الوجدان، لتستجيب لها القلوب وهي تخفق على إيقاع الكلمات والألحان.

وتميزت الأنشودة الصنعانية بقدرتها على التأقلم مع ظروف الوقت والمكان المحيطة بها والتكيّف مع معتقدات الناس وأذواقها، حتى غدت رفيقة كل اليمنيين، في الأفراح والأتراح، والأعراس والمآتم، والحرب والسلم، وفي رمضان والأعياد وحتى عند الاحتفال بالمواليد أو وداع الحجاج واستقبالهم، في سردية تعكس اشتمالها على عدة عوامل مكّنتها من الصمود والاستمرارية منذ مئات السنين حتى اليوم.

ومن بين ألوان الإنشاد الصنعاني يبرز "الموشّح" كعنصر جوهري في هذا التراث الفني، وهو بحسب ما يعرّفه الدكتور عبد العزيز المقالح: "قصيدة متعددة القوافي والأوزان"، بينما يذهب البعض إلى إعطائه معنى موسيقياً أكثر من كونه شعرياً فيَعُدّه "لوناً من الغناء الفردي أو الجماعي، مع كلمات من الشعر الحميني بأسلوب الطرب الصنعاني".

تاريخ الموشحات
يصعب تحديد المكان والزمان لنشأة الموشح عالمياً. وبينما يعتقد البعض بدء ظهوره في المشرق، ينسبه آخرون إلى عرب الأندلس، ويستندون إلى توثيق التاريخ شيوعه فيها خلال القرن التاسع الميلادي. ولأنه في الغالب قائم على اختيار 3 ألحان وتركيبها مع بعضها، يذهب الباحث يحيى محمد جحاف، في دراسة له، إلى وصفه بالتثليث، وربما يكون هذا المعنى الأصلي لكلمة توشيح قبل أن يصبح له معنى شعري في الأندلس.

والحال ذاتها بالنسبة إلى نشأته في اليمن، إذ يذهب الدكتور محمد عبده غانم في كتابه "شعر الغناء الصنعاني" من خلال المقاربات الزمنية إلى أن نشأته كانت مدينة زبيد في جنوبي تهامة، في عهد الدولة الرسولية بداية القرن التاسع الهجري، قادماً من مصر عبر الوجود الأيوبي الذي سبقها.

وعلى الرغم من استدلال غانم بشعر ابن سناء الملك (ت. 1212) كأول شاعر مشرقي كتب شعر الموشحات، بينما أول موشحة يمنية مخطوطة ظهرت بنظم الشاعر أحمد بن فليته في البلاط الرسولي، فإن الأديب والمؤرخ اليمني، أحمد محمد الشامي، عارضه في ذلك الاستنتاج، مؤكداً وجود موشحات صنعانية تسبق موشح ابن فليته، كما جاء في كتابه "مع الشعر المعاصر في اليمن".

ويقول رئيس جمعية المنشدين اليمنيين، علي محسن الأكوع، في حديث إلى "الميادين الثقافية"، إن "الحديث عن النشيد اليمني يعيدنا إلى 1446 عاماً، عندما استقبل المهاجرون والأنصار، وهم من أصول يمنية، النبي محمد في يثرب هاتفين بنشيد "طلع البدر"، وهذا يعطينا دلالة على أن له امتداداً تاريخياً قبل ذلك".

ولعل ما يدعم ذلك الامتداد تلك النقوش التي عثر على أحدها المؤرخ اليمني زيد بن علي عنان مع المستكشف الأميركي ويندل فيليبس عام 1952 في أثناء عملية التنقيب في معبد أوام في مأرب، وتتضمن أنشودة للإله السبئي الأعظم (المقه ثهوان بعمل أوام) بحسب الشاعر والمؤرخ اليمني مطهر الإرياني، الذي فك رموزها في دراسة بعنوان "أنشودة من محرم بلقيس".

ومهما تكُن البدايات فإن صنعاء لم تسجل حضورها فيه إلا أواخر العصر الرسولي، من خلال ديوان "مبيتات وموشحات" للشاعر محمد بن شرف الدين (1524- 1604)، كأول ديوان شعر حُميني صنعاني، بحسب ما جاء في كتاب "روائع شعر النشيد الصنعاني" للمنشد الأكوع.

صمود في وجه التغريب
تتعدد أنماط الإنشاد باختلاف مناطق اليمن، فيتخذ الدان الحضرمي شكلاً فلكلورياً، وتتسم التهامية وأناشيد المناطق الوسطى بالتصوف. أما في صنعاء فتتخذ نسيجاً ابتهالياً، ومن بينها يحافظ الموشح الصنعاني على هويته التاريخية، على عكس البقية التي سارت في ركب التطور إلى حدٍّ ما، إلا أنها بشكل عام لا تخرج من قالبها المعهود والمشروع.

"تبدأ بالتوسل الإلهي قبل الدخول في الغزل العفيف أو الرجاء والمديح، ويختمها بالصلاة على النبي وآله، ويجب أن يكون اللحن مميزاً ولافتاً وقابلاً للتجديد من دون تأثر بالعوامل الفنية"، كما يضيف الأكوع، الذي وثّق في كتابه 330 لحناً يمنياً أصيلاً بالنوتة الموسيقية.

لم يسلم الإنشاد اليمني من التأثر بالصراعات والحروب التي عاشها اليمن، وما صاحبها من إدخال بعض الآلات الموسيقية، غير أن تدخل عدة عوامل، كالقرار السياسي والفتوى الدينية والتوجه النخبوي، ساهم، إلى حدّ ما، في المحافظة على ذلك التراث اللامادي في موشحات صنعاء.

عن ذلك يقول رئيس "مؤسسة المنشد الثقافية"، عبد العظيم عز الدين، إن "صمود هذا الفن يعود إلى طبيعة الناس أولاً، ففي صنعاء لا يهتمون بالجوانب الأخرى من الفن كالغناء، لأنه طرأ حديثاً، ويعرفون الفن من خلال النشيد". ويضيف في حديث إلى "الميادين الثقافية": "كان للعاملين السياسي والديني دور في ذلك الصمود، فصنعاء كانت مركز الحكم الزيدي لليمن، وهي الأصل الذي تستقي منه سائر المحافظات، والعلماء أفتوا بحرمة سماع الموسيقى في الأناشيد".

موسيقى الكلمات
ويوضح عز الدين، وهو واحد ممن ساهموا في إحياء المئات من الموشحات اليمنية التراثية وتجديدها، أن للشعر أثراً في تخليد الموشح الصنعاني، سواء كان حمينياً أو فصيحاً، فشعر الموشحات هو موسيقاه، ويمتاز بعراقته التي تمتد إلى القرن الخامس الهجري، وكذا جمالياته ومحسناته البديعية التي تمثل السهل الممتنع. وحين تجتمع الكلمة مع اللحن تكون الاستمرارية.

وقصيدة الموشحات تأتي عربية فصيحة معربة. مثلاً: "قف بالخضوعِ وناد ربكَ يا هو/ إن الكريمَ يجيبُ من ناداهُ" للبرعي، "ومنها ما لا يكون معرباً وهو من اختراع أدباء اليمن"، بحسب عبد الرحمن الآنسي، في كتابه "ترجيع الأطيار بمرقص الأشعار".

وتتكون الأخيرة من شطرين ببحور شعرية جديدة في كل شطرٍ مقطعٌ أو 3 لها القافية نفسها. مثلاً: "يا حي يا قيوم/ يا عالماً بما تخفي الصدور"، للآنسي.

وتحدث عنها صاحب سلافة العصر، ابن معصوم، فقال: "ولأهل اليمن نَظم يسمونه الموشح، غير موشح أهل المغرب، والفارق بينهما أن موشح أهل المغرب يُراعَى فيه الإعراب بخلاف موشح أهل اليمن فإنه لا يُراعَى فيه شيء من الإعراب، بل اللحن فيه أعذب، وحكمه في ذلك حكم الزجل".

ويرى رئيس "فرقة شباب الصمود الإنشادية"، شرف الذيفاني، أن "القصيدة تلحن نفسها، فقوتها والشاعرية والروح الموجودة فيها نشعر بها في أثناء قراءتها وإنشادنا لها، فتزيد اللحن قوة وجمالية وتبرز الموشح أو النشيد في المقام اللائق به".

ويضيف الذيفاني أن "الأوزان النادرة في الشعر الحميني فيها بناء عجيب، وألفاظها راقية وجزلة. وعلى رغم أن لبعضها أوزاناً صعبة فإن تنوعها يساعد في الأداء ويغذي روحية المنشد لينطلق بانسجام وروحانية وتناغم تجعل المستمع نفسه يطرب ويتناغم، كما هي الحال مع الموسيقى وربما أفضل".

ملامح تجديد وتطوير
في النصف الثاني من القرن الـ19 شهد الإنشاد اليمني أول ملامح تجديد حقيقية، عندما أدخل الصوفي، جابر رزق، الموسيقى، وشكّل تواصلاً بين الغناء الصنعاني والتهامي، ومن خلال ذلك بدأت مرحلة من التنوع فيه.

على أن الموشح حافظ على أصالته على رغم إدخال الإيقاع لبعض الأعمال واتجاه منشديه إلى تنويع ألبوماتهم بين التهامي والحضرمي والصوفي وغيرها، من خلال عمل نسخ أخرى من دون موسيقى تلبية لطلب الباحثين عن الروحانية فيه.

ويوضح عز الدين أنه ليس بالضرورة أن يكون تأثير الموسيقى سلبياً، بل قد تكون ضرورة للأعمال الحماسية في سياق التعبئة الشعبية والوصول إلى سائر المناطق بفنها الذي يتطلب الموسيقى غير الصاخبة ولا المجحفة ولا يؤثر في الروحانية، كما في ألبومه الأخير؛ لأن الصوفية أيضاً لها نوع معين من الإيقاع مسموح به.

أما الذيفاني فينظر إلى الموشح الصنعاني ببعد فلسفي عميق، كونه لحناً مركباً من جمل ومقامات موسيقية معروفة في العالم، والموسيقى تضيف إلى اللحن شيئاً من الجمال والمظهر الذي يحبذه البعض ولا يحبذه البعض الآخر، والأمر أشبه بالزينة التي إذا ارتداها الموشح أصبح في مظهر ربما ينظر إليه البعض بأن هذا تبرج لا يليق به، لأن جماله من دونها، على حد قوله.

من جانبه، يقول الأكوع إن "الموشح قابل لإدخال الآلات الموسيقية، بيد أن ذلك سيشوهه، بحيث سيتساوى مع الغناء، وسيفقد الطابع التراثي الذي ورثه من الآباء".

لذلك، حرص منشدو الموشح الصنعاني، وما نُسب إليه من موشحات اليمن كونها مركز الثقل، سياسياً وثقافياً ودينياً، على تطوير الموشحات التراثية بما يضفي عليها الحداثة من دون الإخلال بالهوية اليمنية والهوية الصنعانية، على وجه الخصوص. ولعل أبرز من حافظ على ذلك الإرث الكبير قاسم زبيدة والشيخ الحافظ محمد حسين عامر وعبد العظيم عز الدين وأسامة الأمير وعلي محسن الأكوع وغيرهم ممن برزوا في هذا المجال.

يظل الموشح الصنعاني، في ألحانه الساحرة وكلماته المضيئة، ظاهرة فريدة في تراث اليمن، تجسيداً لأصالةٍ لا تبلى، ومرسى لكل من يتوق إلى العودة إلى جذور الفن الحقيقي، يتأقلم مع كل زمان ومكان ويتطور بذاته من دون الإخلال بالطابع الأصيل الذي توارثته الأجيال.

* المادة نقلت حرفيا من موقع الميادين نت ـ عبد القادر عثمان