د. محمد أبو بكر*


حين نسمع عبارة أو مصطلح؛ رئيس هيئة الأركان، يتبادر للذهن ضابطا كبيرا، ربما جنرالا أو ماريشالا، على صدره مجموعة من الأوسمة والنياشين، وتعلو كتفيه كميّة كبيرة من النجوم والتيجان والسيوف، ونعتقد حينها بأنّ هذا الرجل قد خاض حروبا بعدد شعر رأسه، إن لم يكن أصلعا، فحقق انتصارات نال على إثرها تلك الأوسمة.
واعتدنا دائما أن نسمع عن كليات حرب متقدمة في بريطانيا والولايات المتحدة وغيرها، والكثير من ضباط جيوش العرب ارتادوا تلك الكليات، فعادوا وكأنّهم (شالوا الزير من البير) فيتفاخرون بذلك، وهم في نهاية الأمر لا يستفاد منهم، وكأنّهم ذهبوا في رحلات استجمام.
محمد الضيف لم يذهب إلى كلية الحرب البريطانية أو الأمريكية ولا حتى الروسية، ولكّنه أثبت بالدليل القاطع أنّه من أنجح وأكفأ قادة الأركان في العالم، بل إنّ هذا الرجل وفي السابع من أكتوبر المجيد غيّر وجه العالم، من خلال خطة عسكرية لم يدرسها في كليات الحرب، بل كان يشرف على المقاومين الذين يتلقون تعليمهم وتدريبهم تحت أشجار الزيتون في خان يونس ودير البلح وجباليا وبيت حانون.
محمد الضيف فعل في يوم واحد، بل وفي ساعات معدودة مالم تفعله جيوش العرب قاطبة منذ تأسيسها، وهي الجيوش التي كان يجب عليها أن تتلقّى التدريب في أكاديميات محمد الضيف وفي الهواء الطلق، حيث جمالية المكان في غزة، ومخيمات القطاع الصامد.
كان محمد الضيف يجلس على الأرض في أحد بيوت المقاومين، يقرأ الخريطة، يدقق ويعطي التوجيهات، يستمتع بكوب الشاي برائحة النعنع، بلباس عسكري لا علاقة له بكل أزياء جيوش العرب، من ضبّاط وجنود، لا رتبة عسكرية، ولا أوسمة ونياشين، فجيب القميص بالكاد يشتمل على مفكّرة صغيرة وقلم حبر لزوم الشغل!
محمد الضيف نال مؤخرا أرفع وسام وهو الشهادة، هذا ما كان يتمناه أبو خالد، وكيف لمثل هذا الرجل أن يقبل على نفسه مغادرة الحياة الدنيا دون الحصول على مراده بالشهادة؟ ماذا سيكون موقفك يا أبا خالد لو لم تتمكن من الشهادة واللحاق برفاقك الذين سبقوك؟
محمد الضيف هو القائد العسكري الوحيد الذي جعلني ارتجف حين سماع خبر استشهاده مع ثلّة من القادة المقاومين، يا لك من رجل أيّها الضيف، وكأنّك كنت مجرّد ضيف لفترة وجيزة ثمّ غادرتنا إلى مكان، هو بالتأكيد أفضل من كل بقاع الدنيا أيّها الرفيق الحبيب الشهيد.
محمد الضيف؛ لا تجزع، ولا تقلق، فقد تركت إرثا عظيما، ويكفينا هذه المقاومة الباسلة، حيث بصماتك الواضحة، اطمئن، فإذا غادر ضيف أكرمنا الله بألف ضيف، وسلام على روحك الطيبة الطاهرة، فأنت الوسام الذي سنزيّن فيه صدورنا، وليس أوسمتهم النحاسية المزيّفة التي لا تساوي شيئا أمام عظمة وسام استشهادك.

* المقال نقل من موقع رأي اليوم ويعبر عن وجهة نظر الكاتب