الإعلام والاقتصاد... أدوات الغرب لزعزعة الاستقرار في الدول المناوئة
السياسية || محمد محسن الجوهري*
لطالما استخدم الغرب وسائل متعددة للتأثير على الرأي العام في الدول التي يعتبرها معادية أو غير متماشية مع مصالحه، وذلك بهدف زعزعة استقرارها أو دفعها نحو تغيير سياساتها. ويعد الإعلام أحد أهم الأدوات في تشكيل الرأي العام داخل الدول المستهدفة، حيث تعمل القنوات الإخبارية الموجهة مثل "بي بي سي" و"سي إن إن" و"فرانس 24" على إظهار الحكومات المناوئة للغرب على أنها أنظمة قمعية، وتسليط الضوء على المعارضة الداخلية بشكل ممنهج. كما أن هناك وسائل إعلام ناطقة بلغات محلية، مثل "راديو سوا" و"الحرة"، تُستخدم لاستهداف الجمهور المحلي بخطاب متكيف مع ثقافته، بالإضافة إلى الصحافة الاستقصائية التي تُوظف لإعداد تقارير تتناول قضايا الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان بهدف خلق صورة سلبية عن الأنظمة المستهدفة، وغالبًا ما تكون هذه التقارير مدعومة بمصادر غربية أو منظمات ممولة غربيًا.
ومع تطور التكنولوجيا، أصبح الفضاء الرقمي ساحة رئيسية في صناعة الرأي العام، حيث تستخدم الحكومات الغربية والمنظمات التابعة لها الحسابات الوهمية والروبوتات الإلكترونية لنشر محتوى معارض وتحفيز النقاشات السلبية حول الأنظمة المستهدفة، بالإضافة إلى تمويل حملات رقمية على منصات مثل "فيسبوك" و"اكس" و"يوتيوب" لدعم الأصوات المعارضة وزيادة انتشار خطابها. كما يتم استغلال النشطاء الرقميين من خلال دعم بعض المؤثرين والنشطاء ليكونوا واجهة للمعارضة، ومنحهم منصات للتعبير عن آرائهم أو استضافتهم في الإعلام الغربي.
إلى جانب الإعلام والفضاء الرقمي، تلعب منظمات المجتمع المدني دورًا مهمًا في تنفيذ هذه الاستراتيجية، حيث تعمل العديد من المنظمات غير الحكومية بتمويل غربي في الدول المناوئة للغرب تحت شعار تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها في الواقع تساهم في تعبئة الحركات الاحتجاجية وصناعة خطاب معارض. ومن أبرز الجهات التي تلعب هذا الدور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي تدعم مشاريع مجتمعية في دول مثل اليمن وسوريا والعراق، ولكنها في بعض الأحيان تعمل كأداة لتمويل أطراف معارضة، بالإضافة إلى منظمتي العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش" اللتين تُستخدم تقاريرهما الحقوقية كأداة للضغط السياسي على الحكومات غير الموالية للغرب. كما يتم استقطاب الشباب من هذه الدول عبر منح دراسية وبرامج أكاديمية غربية تهدف إلى الترويج للقيم الغربية وإعادة تشكيل وعيهم السياسي، مما يسهم في خلق طبقة مثقفة معارضة داخل المجتمعات المستهدفة.
ولا يقتصر الأمر على التأثير الإعلامي والمجتمعي، بل يمتد إلى استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة لتحفيز المعارضة، حيث تعمل الدول الغربية على فرض قيود على المعاملات المالية ومنع التحويلات البنكية الدولية، بالإضافة إلى فرض عقوبات على الشركات والقطاعات الاقتصادية الحيوية، والتلاعب بأسعار العملات لإحداث أزمات اقتصادية تؤدي إلى استياء شعبي يتم استغلاله لصالح المعارضة. وتُستغل الاحتجاجات الشعبية والأزمات الداخلية كوسيلة إضافية لتوجيه الرأي العام ضد الحكومات المستهدفة، ويتم ذلك من خلال تمويل حركات معارضة وتحفيزها على تصعيد الاحتجاجات، وإثارة قضايا حساسة مثل الفساد والقمع السياسي، وتوظيف شخصيات معارضة لإضفاء شرعية على الحراك الشعبي، سواء من داخل البلاد أو من الخارج.
كل هذه الأدوات والوسائل تُظهر أن صناعة الرأي العام المعارض ليست عملية عفوية أو قائمة فقط على الاستياء الشعبي، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة تدخلات مدروسة ومنظمة تهدف إلى إضعاف الدول المناوئة للغرب، وخلق بيئة غير مستقرة تجعلها أكثر عرضة للضغوط والتدخلات الخارجية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب